تسجيل
مراجعة كتب, مقال

الحنين الى الطغيان | أحضان الكتب

كاريكاتور أمجد رسمي
وقت القراءة : 4 د
قُرِأ النص 2488 مرة
2 تعليقات

كانت درجة الحرارة تصل الى عشرة تحت الصفر وكنت بمجرد خروجك الى أحد شوارع العاصمة الرومانية بوخارست تتوقف على الفور عن إلاحساس بأصابعك وقدميك واذنيك وكل اطرافك .

لم يكن يوم مناسب لزيارة القبور وخاصة انه يوم عمل في منتصف الأسبوع ومع ذلك كلة فقد كان هناك حشد من الناس يتجمع مما يقارب 150 شخص يتجه إلى مقبرة (خينسيا) الشهيرة  بشكل لفت انتباه الكاتبة الكرواتية سلافينكا دراكوليتش، والتي تروي في كتابها المترجم ( المقهى الأوربي الحياة في أوروبا بعد انهيار النظام الشيوعي ) تقول بانها كانت تتوقع تلك جنازة لشخص مهم جدا ، لكنها لم ترى نعش، وعندما سألت اكتشفت أن الجمع المحتشد كان في طريقة إلى زيارة مقبرة الدكتاتور الروماني (نيكولاي شاوشيسكو) الذي لايزال العالم يذكر مشهد إعدامه على يد الثوار هو وزوجتة .

كان يصادف اليوم ذكرى ميلاد الدكتاتور شاوشيسكو الخامس والسبعين، والذي كان يعتبر في حياته عيداً قومياً وما يرافقه من احتفالات وهتافات.وبعد لحظات من مشاركتها بالحدث أدركت سلافينكا أنها لا تشهد احتفالا بقدر ما تحضر عرضا دراميا اجتماعيا يعبر عن معاناة الكادحين في ظل النظام الجديد.اذ بدى كل المتحلقين حول قبر الطاغية من الشكوى على النظام الجديد ومصاعب الحياة بعد انهيار النظام الدكتاتوري .حيث بدأت سيدة تتذكر بحنين ايام شاوشيسكو التي كان يمكن ان ترسل ابناءها إلى المخيمات الصيفية وامرأة اخرى تشكو ان مرتبها اصبح يكفي لشراء كيلو من اللحم .كانت دراما سياسية لخروج افراد من الشعب يشكون همومهم ومشاكلهم الشخصية وحنينهم للنظام السابق .هولاء الناس لم يأتوا ليتجمدوا في احتفال مولد شاوشيسكو، أو مجرد اجلاله وانما جاءوا ليتذكروا ماضيهم الأفضل وكلهم بدو فقراء ضائعين في معاطفهم وبالنسبة لهولاء كان شاوشيسكو مجرد رمز لكل ما عرفوه وتذكروه).انقل هذا الجزء من كتاب ( في احضان الكتب ) للكاتب الرائع والجميل بلال فضل الذي يمتعني جداً حين اقرأ له كل ما هو جميل وعميق .

الحنين الى الطغيان؛ لماذا رغم الربيع العربي الذي اسقط أعتى الأنظمة الشمولية والدكتاتورية عاد الناس يحنون الى تلك الانظمة؟ بل في بعض البلدان قام الناس بانتخابهم والمطالبة بعودتهم للواجهه بقوة . أين اختفت علامات النصر والفرح بسقوط الطغاة أين الأماني والأحلام والشعارات ،ضاعت لأن الأنظمة الجديدة لم تقدم ما تطمح اليه الشعوب  ولم تحقق ما وعدت به من أمن وازدهار ورقي بل اعادتهم الى عصور ما قبل الانظمة الشمولية .حيث فقد الناس كل ما يؤهلهم للعيش بصورة حرة وكريمة فقدان الأمل بالحاضر والمستقبل بل اقتنعت هذا الشعوب التي كانت تتصور بأن الحرية والديمقراطية هي سفينة النجاة وعصى موسى التي تشق الأرض لتخرج لهم من خيراتها والتي سوف تغير حياتهم ومستقبلهم للأفضل، أصبحوا مقتنعين بأنهم لايستطيعون العيش الا بوصاية ولا يمتلكون القدرة على ادارة حياتهم والعيش سوية الا بسلطة دكتاتورية أبوية تقيدهم وتعيد لهم جزء من أمل وشعور بالامن والاستقرار بعد ان فقدوه مع سقوط الدكتاتوريات وتغيرها بوجه آخر لكنه اكثر قبحاً وأشد بطش واسوأ تجربة .

لا تلم الناس حين يهتفون ويحنون للطغاة لانهم فقدوا طعم الأمن ولذة الحياة السابقة على بساطتها والتي لم يقدم نصفها من جاءوا في زمن الديمقراطية .


ومضة :

أود أن أدعو على الطغيان بالنقمة . لكنني أخاف أن يقبل ربي دعوتي فتهلك الأمة !

أحمد مطر

 

اياد حسن دايش

 

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة ayad.hasan17

ayad.hasan17

شيء يبحث عن شيء يبقي على مابه من اشياء إنسانية

رأيان حول “الحنين الى الطغيان | أحضان الكتب”

  1. المتشائل يقول:

    نص مميز إياد، رغم أن في تحليل “بلال فضل” بعض الإستعلائية وعدم الخوض في دوافع هؤلاء الناس الا أن النص متماسك ومتزن ومتسلسل.
    أشكرك كثيراً وننتظر منك المزيد

  2. سلمى الحبشي
    سلمى الحبشي يقول:

    يعيد التاريخ نفسه مرارًا وتكرارًا، ولا ندري متي وكيف سننتهي من كل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *