تسجيل
قصة

العين الثالثة

وقت القراءة : 23 د
قُرِأ النص 268 مرة
0 تعليقات

خرجت من الباب لرئيسي للمبنى الخامس والثلاثين الذي استقر في منتصف شارع كيارسيا السكني لتقف مجيلة نظرها عبر الرصيف الذي غص بالناس من كل الاجناس والأعمار والأشكال والألوان والأشكال، خليط كامل من البشر اجتمعوا في هذه المنطقة من العالم ولكن الشيء الوحيد الذي جمع بينهم هذه الليلة التي ما تزال في بدايتها هو أنهم اتشحوا بتلك الملابس المريبة حينا والمقرفة حينا آخر، قسم منها كان يمكن النظر إليه وآخر ستضطر لأن تفرغ كل ما تناولته طوال النهار بمجرد ذلك، شياطين وملائكة، مصاصي دماء ومستذئبين، هياكل عظمية وأموات احياء، سندريلا، بياض الثلج، الأقزام، جاك سبارو، وما إلى آخره من تلك الشخصيات الغريبة التي ابتكرتها شاشات هوليوود، حتى انها قد شاهدت قبل قليل وللمرة الأولى في حياتها توم وجيري يسيران جنبا إلى جنب ممسكين بأيدي بعضهما البعض ويجمعان الحلوى!.

رفعت باقة معطفها لتغطي رقبتها كاملة في محاولة لمنع البرد وعيون الطفيلين من الوصول إليها على حد سواء، وضعت يديها في جيب المعطف لتشق طريقها عبر الشارع سائرة وسط تلك الازياء والمناظر التي لم يكن يتخيل أي عاقل أنه من الممكن أن تتواجد في العالم، إلا أن هذه المظاهر الشاذة لم تضايقها هذه السنة بالذات، فهي تكره هذه الليلة في العادة، وتحرص سنويا على ان تغادر البلاد باكملها قبل حلولها والعودة بعد يوم منها، لا يهم إلى أين تذهب المهم هو أن يكون مكانا لا يحتفل فيه بهذه الليلة المقيتة وتقالدها السخيفة والمثيرة للاشمئزاز وهو الأمر الذي أصبح العثور عليه هذه الأيام أكثر صعوبة من حل مشاكل الشرق الأوسط، حتى أنها السنة الماضية قد استأجرت كوخا منعزلا غربي سويسرا لتقضي الليلة هناك دون أن ترى أحدا ودون أن يراها أحد.

رفعت يديها لتنفخ فيهما مدلكة إياهما ببعضهما البعض نافثة الدفئ فيهما وهي تراقب الأشباح المارة والغادية أمامها بعكس كل سنة بابتسامة خفيفة نجحت في إخفائها اسفل باقة معطفها الفرائي القصير، لو أن أحدا شاهدها البارحة لما كان بإمكانه أن يصدق أنها قد تسير اليوم في هذا الشارع بابتسامة كتلك على شفتيها، ولكن من يراها الآن سيدرك تماما أن هذه الابتسامة ليست تعبيرا عن سرورها ولا عن اشتياقها لهذه الليلة، بل سيدرك تماما أن تلك البسمة التي زينت شفتيها تنبض بشغف عميق، بشهوة قاتلة، بنشوة لا تضاهى نحو تذوق حلاوة الانتقام لهذه الليلة.

أعادت يديها إلى جيبي معطفها بعد أن ثبتت باقة معطفها مرة ثانية حول رقبتها لتحدق في المشاهد امامها فيما المشهد الاكثر إثارة والذي حدث قبل أربع وعشرين ساعة بالضبط من الحفلة الكبرى يطغى على كل جوارحها متحكما بها، صحيح أنها تعتبر جايسون شابا ذكيا وصاحب نظرة ثاقبة لا تضاهى خصوصا عندما يتعلق الأمر بمتعته الشخصية – أو على الأقل هذا ما كانت تظنه حتى البارحة – فهي لم تكن تتوقع أنه قد يفوت عليه أمرا كهذا، لأنه رغم كل شيء يعرف تماما كيف وأين ومتى يحصل على المتعة؟، وقيامه بعملية كتلك البارحة بدلا من اليوم هو أمر غريب عليه، فعملية كتلك، عملية درت عليه أرباحا وصلت لعشرة ملايين دولار ومخزن كامل من الهيرووين النقي كان سيكون لطعمها حلاوة ولذة أكبر بمئة مرة لو أنه قام بها هذه الليلة، لا سيما أنه يعتبر واحدا من أهم عشاق الهالوين وتقاليده العريقة المتجذرة في وجدان الشعوب كما ينفك يقول، ولكن بارتكابه هذا الخطأ فقد أعطاها هي الفرصة كي تتذوق حلاوة النصر في هذه الليلة العظيمة كما يدعي الجميع، فقتله لشقيقها الأصغر وسرقته عشرة ملايين دولار وسيطرته على مخزونها كاملا من المخدرات هي غلطة عمره التي لن تسمح له بأن ينجو بها حتى لو كان صديق طفولتها.

توقفت أمام خط المشاة تراقب الأطفال الذين ساروا بأزيائهم الملونة والجذابة والمغرية والمخيفة وهم يحملون أكياس الحلوى ويضحكون باستمتاع يقطعون الشارع أمامها فيما الصورة الوحيدة المرسومة أمام عينيها هي الجثة التي تلقتها صباح اليوم، الأحمر القاتم الذي غزا كل خلية فيه متغلغلا إلى أعمق طبقة في جلده، وحتى شعره الذهبي كان غارقا في الأحمر، حتى انها لاحظت لأول مرة هذا الصباح مدى شقرته، وهو أمر لم تنتبه إليه لاحقا، فكلاهما أشقرا الشعر ولكن درجة لون شعرها اكثر قتامة من شعر شقيقها، وهذا ما بدا لها اليوم واضحا عندما شاهدت دمه يسيطر على شعره دافنا شقرته خلف قتامة حمراء مثيرة للاشمئزاز، ضغطت على قبضيتها داخل جيبها لتشق طريقها عبر سيل الأطفال المتدفق أمامها وصورته ما تزال مرسومة أمامها خصوصا ملامح الدهشة والذهول التي سيطرت على وجهه وحافظت على تواجدها هناك مع تيبس الجثة، فقد استلمت جسده بعد مضى اثنتي عشرة ساعة على مقتله، وهذا ساعد في احتفاظ عينيه بذهول عميق تأصل داخلهما، حتى أنها قد رأت فيهما انعكاسا واضحا لما شاهده قبل أن يتلقى الطعنة القاتلة مباشرة، لقد رأت انعكاس السكين في الذي رفعه جيسون في عيني شقيقها الميت وشاهدت تلك الضربة التي تلقاها دون سابق إنذار في قلبه مباشرة، عليها أن تقر إن الشيء الوحيد الذي تحسبه لجيسون هو أنه قتل شقيقها بسرعة دون أن يتركه ليتعذب، فباستثناء الذهول والصدمة الأولى لذلك الانقلاب لم يشعر بشيء عدا غرسة سريعة للسكين في قلبه وتدفق الدم ومن ثم سقط جسده دافئا بين ذراعي قاتله.

تجاوزت الأطفال الذين سارت بينهم لتسلك طرقها عبر الشارع الفرعي السادس والذي لم يكن أقل ضجة من غيره، ولولا أن عقلها كان منهمكا بالعمل منذ الصباح لكانت أصيبت بالمرض من هذه المشاهد حولها، فأمامها وقف مغفل ما في زي روماني قديم عاري الجيد باستثناء تلك القطعة البيضاء التي تحيط بخصره فيما وقفت حوله ثلاث فتيات يرتدين الأزياء الرومانية نفسها، راقبتهم بدهشة لم تتمكن من إخفائها، فإن كانت تريد أن تتحرى الصدق فذلك الشاب مثير ولن تمانع في تقبيله أما الفتيات فإنهن يشبهن مجموعة من الممثلات في فيلم الأسكندر العظيم، ما كانت آنجلينا جولي لتمانع الظهور بمظهر كهذا على كل حال، هزت رأسها طاردة هذه الفكرة من عقلها وهي تتجاوز المهرجان الروماني بجوارها لتسير عدة خطوات إضافية في طريقها نحو الهدف الرئيسي لكل هاوِ لهذه الليلة والصورة تتجسم أمامها، صحيح أنها تكره ليلة الهالوين، صحيح أنها تعتبر جيسون صديق طفولتها، صحيح أنها قد صدمت بقوة مع وصول حلوى الهالوين باكرا هذه الليلة، توقفت لتنظر إلى السنترال بارك التي امتدت أمامها، ولكن صحيح أيضا أنها قد أتمت لوحة انتقامها.

 شقت طرقها نحو الهونداي البيضاء التي استقرت بجاور المدخل الأيمن من الحديقة لتفتح الباب الخلفي ودخلت إليها ليستقر نظرها على الشاب الجالس بجوارها لتراقبه بتمعن فيما حافظ هو على هدوئه المترقب لأي حركة في غير موقعها وهو يبادلها النظرات قبل أن ترسم هي تلك الابتسامة القاتلة التي طالما أرعبت كل من حولها على وجهها لتقول

-أنت بخير جيسون؟

فأجاب بسخرية لم تخلو منها نبرته وهي سخرية ما كانت تفارقه في أي موقف يجد نفسه فيه مهما كان سيئا, وطالما كانت على وشك أن تتسبب في قتله

-لن أكون بحال أسوء

ابتسمت بثقة هادئة قبل أن تقول

-ترجل من السيارة

رمقها بحذر مع هذا الأمر فيما أمسكت هي تلك السكين لتنحني نحوه قاطعة الحبال التي أحاطت بمعصميه وقدميه ما دفع به ليدلك رسغيه بألم وعينيه مثبتتين عليها لتعيد هي جملتها بأمر

-ترجل من السايرة حالا

ودون أن ينتظر ليسمع الجملة مرة أخرى فتح باب السيارة ليترجل منها حيث شاهد حارسين يستقران بجوارها موجهين سلاحيهما نحوه ليقول أولهما

-إلى الحديقة

وأضاف الثاني بجمود

-ادخل إليها فورا

ابتلع جيسون رمقه بتوتر ليلتفت محدقا في الهدوء الصامت المثير للريبة والتوتر والقلق والذي طغى على السنترال بارك، هم أن يتراجع إلى الوراء ولكن نفسا دافئا لامس رقبته من الخلف ما دفع به ليغرس في الأرض مكانه وهو يستمع صوتها يهمس في أذنه

-إلى الحديقة يا جيسون

ودفعته بيديها بخفة ليبتلع رمقه مستسلما وتقدم للأمام، فأيا كان ما سيواجهه هناك فهو لن يكون بسوء ما قد يواجهه هنا.

” الوضع ليس سيئا، الوضع ليس سيئا، الوضع ليس سيئا “

ترددت هذه الكلمات في رأسه بقوة كبيرة متتالية خلف بعضها البعض محاولة تثبيت هذه الفكرة في عقله ولكن بلا جدوى، يده ارتجفت رغم محاولاته المضنية للسيطرة على قبضته حول المصباح اليدوي الذي أعطي إياه قبل دخوله لسبب لم يعرفه، ورغم ذلك لم تمنع تلك المحاولات الارتعاش من الظهور جليا في حركات يده المتوترة، أخذ نفسا عميقا وهو يقف أمام تلك الشجرة للسيطرة على أعصابه، أدار عينيه هنا وهناك بتوتر شديد بدا في حركات بؤبؤه غير المتوازنة، ففي العادة لا يمكن لهاتين العينين أن ترتجفا قيد أنملة ولكنه هذه الليلة انقلب مئة وثمانين درجة، ابتلع رمقه بخوف لم يستطيع منع نفسه من الشعور به يجري في عروقه، والمشكلة الأكبر أن الصمت الذي لف المكان بأكمله  زاد من القلق الذي انتابه، هو لم يكن من المفترض به أن يكون هنا، لم يكن يفترض به أن يقف في هذا المكان أسفل هذه الشجرة مجاهدا نفسه لألا يصاب بسكتة قلبية مبكرة، لم يكن من المفترض به أن يجد نفسه في هذا الموقف فجأة، لقد كان يفترض به أن يكون خارج البلاد، كان يفترض به ان يكون في سويسرا أو في النرويج يستمتع بملايينه العشرة وبمخزون من المخدرات سيدفع به للأعلى في أيام قليلة فقط، ولكن بدل ذلك ها هو هنا.

مسح العرق الذي سال على جبهته بكف يده مبتلعا رمقه بتوتر عندما انتفض فجأة وهو يحس بذلك الصوت يهدر في المكان بقوة الرعد، قفز للخلف مرعوبا ليصدم بالشجرة خلفه ما دفع بقلبه ليتراكض بجنون وهو يحس بارتجاج هاتفه في جيبه الأيسر، كز على أسانه بقوة ملتقطا أنفاسه بتعب ليتمتم بغضب مرعوب

-اللعنة

مد يده ليخرج هاتفه الذي تابع الرنين محطما ما تبقى من سيطرته على أعصابه ليجيب قائلا

-مرحبا

وهنا تهادى لسمعه صوته قائلا بهدوء

-مرحبا يا عزيزي

زادت هذه التحية الهادئة المفعمة بالأنوثة الخبيثة من الغضب الذي أحس به يسري في جسده بقوة ليصرخ بقوة محاولا تفريغ تلك الشحنة

-ما الذي تريدينه الآن؟ ها أنا قد فعلت كما قلتِ تماما لذا ماذا الآن بحق الجحيم؟

فأجابته بتلك اللهجة الهادئة نفسها

-لا داعي لكل هذه العصبية يا سيدي العزيز، فأنت من أقوى الرجال الذين عرفتهم في حياتي وأكثرهم هدوءا، لذا كيف انقلبت هكذا في ثوانٍ معدودة لتصبح مجرد طفل خائف وجد نفسه بعيدا عن أمه في السوق

-لا أريد سماع أي كلمة منكِ، لقد فعلت تماما ما طلبتِ والآن ما الذي تريدينه بالضبط؟

عند هذا أجابت بحزم

-اركض

رسمت هذه الكلمة الاستغراب على وجهه لتردف هي

-اركض بأسرع ما تستطيع ولكن إياك أن تطفئ الهاتف لأنك ستموت مباشرة وقتها

بدا التوتر في وجهه جراء هذه اللهجة فيما صرخت هي بقوة فجأة

-اركض

دون أن يفكر حتى في السبب ودون أن يعطي لنفسه ثانية لمعاينة هذا الأمر انطلقت قدميه من تلقاء نفسهما لتركضا، يركض؟ في هذا المكان؟ في هذا الجنون؟ إنه داخل أكبر غابة في المدينة! يركض؟، انطلقت قدميه مخترقتين الهواء وهما تركضان حين بدأ فعلا يستشف السبب الحقيقي لهذه الكلمة، فخلفه تهادى إلى سمعه تلك الأصوات لخطوات تركض خلفه، ليست خطوات شخص بل هم أشخاص، ابلتع رمقه برعب وهو يحس بهذا الوضع مألوفا فعلا فيما تهادى ذلك الصوت من خلال الهاتف إلى أذنه بهدوء

-أتريد أن تعرف بالضبط من يركض خلفك؟

وهنا قال بغضب تملك صوته بالكامل

-فلتذهبي للجحيم أنتِ وهو

ضحكت بخفة رن صداها في عقله بقوة مزيدا من الضغط الذي تصادم داخل عقله، توقف لدقيقة محاولا التقاط أنفاسه وهو يحس بالهدوء مرة ثانية ليحيط به، التقط أنفاسه وهو يدير نظره في المكان بلهفة وحذر فيما الهاتف على أذنه، هدوء كامل ولا أي صوت

-لِم توقفت يا صديق طفولتي؟

-ما الذي تريدينه؟

-أتريد حقا أنك لا تعرف ماذا أريد، بعد خمس وعشرين سنة قضيناها برفقة بعضنا البعض تسألني ماذا أريد يا جيسون، أليس هذا عيب في حقك؟

ابتلع رمقه بتوتر عندما عادت تلك الخطوات لتدور حوله من جديد، تقدم للأمام بتوتر وهو يحس بتلك القطرات الباردة تتبخر من على وجهه دون أن يرفع يده ليمسحها، نفسه تراكض بقوة وسط محاولات السيطرة عليه من جهة وتمالك المجهود الذي بذله للتو من جهة أخرى

-لا ضرورة لأن تكون حذرا لهذه الدرجة يا فتاي فأنت تعرف جيدا أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة

انبثق ذلك الصفير في المكان فجأة ليتجمد مكانه وهو ينظر للأمام قائلا بتوتر

-لا يمكن أن تكوني جادة

-ولِم لا أكون؟

فصرخ بغضب

-لأن هذا هو الجنون بحد ذاته

انطلق ذلك السهم شاقا الريح من بين الأشجار ليمر من جانب وجهه مسببا خدشا في وجنته مستقر في الشجرة خلفه، بدا الجمود على ملامحه عندما أحس بقطرات الدماء تسيل من الجرج، رفع يده ليمسح ما على وجهه، نظر للقطرات الحمراء على أصابعه ليبتلع رمقه بتوتر شديد دفعه للالتفات إلى الخلف ببطء حيث استقر نظره على السهم المغروس في الشجرة، ذلك المشهد دفع برعشة لتعصف بجسده كادت أن توقع الهاتف من يده ولكنه بذل مجهودا جبارا ليبقي الجهاز في يده

-ألا تعرف أنني مجنونة منذ تعرفت إلي؟، أنت أكثر من يدرك إلى أي حدى قد يصل جنوني وطيشي ولكنك رغم هذا تجاهلته ورميته عرض الحائط

فتح فمه ليتكلم ولكن لم يتمكن من النطق بحرف واحد، كل ما خرج من بين شفتيه كانت تأتأة خفيفة غير مفهومة دفعت بذلك الصوت الهادئ ليقول

-اركض

أدار نظره حوله وهو يستمع لذلك الأمر، المشكلة أنه غير قادر على التحرك من مكانه، قدميه كانتا مثبتتين على الأرض، ركبتيه ارتجفتا بشدة، جسده بأكمله سرت رعشة متوترة فيه دفعت بالرعب والخوف ليجمده مكانه، أجل إنه يعرف تماما ما هيقادرة على الوصول إليه، غنه يعرف تماما أي مدى يمكن أن يصل جنون إليه، ولكنه كان يعول على شيء واد، كان يعول على أن صدمة هدية الصباح ستكون كفيلة بتأخير جنونها هذا بضعة ساعات إضافية حتى يكون هو في وضع آمن، ولكن ما لم يكن يدركه كما يبدو هو أنها لم تحتج سوى لدقيقة واحدة كي تتجاوز تلك الصدمة.

أدار نظره نحو الأصوات التي عادت لترتفع حوله من جديد محيطة به وهي تنتقل من هنا لهناك بين الأشجار المختبئة، تتابعت أنفاسه بلهفة وسرعة محاولا الحصول على أكبر كمية ممكنة من الهواء، فيما عاد الصوت الهادئ ليقول

-عليك ان تركض، لأنك إن كنت تريد الخروج من هنا حيا فيجب أن تركض، يجب أن تنطلق وتطلق العنان لقدميك، وإلا فأنت ميت

شقت تلك الرصاصة الصمت بقوة برفقة أمرها الحازم الذي تكرر مرة ثانية بقوة أكبر

-اركض

هذا المزيج من القوة والأمر دفع بموجة من الأدرنالين لتتفجر داخل عروقه من اللا مكان، قدميه قفزتا للخلف فجأة مع انطلاق تلك الرصاصة الثانية لتغرس مكان وقوفه السابق، لهث بتوتر ولكن تلك الرصاصة الثانية انطلقت لتمر من داخل يده اليمنى التي قبضت على الهاتف مما دفع بقبضته لتخف ولكن صوتها قال بقوة

-لا تغلق الهاتف

هذا الأمر وتلك الرصاصة الثالثة التي انطلقت لتمر من بين قدميه دفعت به ليستسلم للأمر الموجه له مرة ثانية وانطلق في جولة جديدة محاولا الهرب

-فقط توقفي عن هذا

ولكنها قالت بهدوء

-لِم علي؟

فأجابها وهو يلهث بتعب بكلمات متقطعة

-لن تتمكني من النجاة بهذا

عند هذا قالت بسخرية

-أنت تعرف أنني أستطيع فعل ذلك

اجتاز تلك الشجرة عندما مر السهم أمام وجهه مباشرة، توقف فجأة ليتراجع خطوة للخلف ولكن السهم الثاني مر من حلف ظهره مما جعله يختبئ خلف تلك الشجرة، جثا على الأرض وهو يلهث بتعب لتقول

-هل استسلمت بهذه السرعة؟

-وما الذي تريدين مني أن افعله؟

-أرني قوتك التي تباهيت بها قبل يوم واحد، أم أنها اختفت ولا تظهر فقط إلا وحولك الحرس المدججون بالسلاح يا جيسون، قوتك التي ظهر إلى فجأة لتختفي فجأة

عند هذا قال بسخرية

-وهل أنتِ الواقفة أمامي بعيدا عن السلاح، إنكِ محاطة بعصابة

-أنت تعرف كما أعرف انني أكثر من مجرد عصابة جيسون، تعرف جيد أنني جيش متنقل بحد ذاته، ولكن ما لا تعرفه هو أن هذا الجيش قد ينقلب ضد أيا كان ومهما كان إن حاول العبث معه

وأضافت بمكر

-وأنت تجاوزت خطأ أحمر لن اغفره لك

ابتلع رمقه بتوتر وهو يستمع لتلك الكلمة ليقول

-إنني مستعد أن أعطيكِ كل ما تريدين

-إنني أريد رؤيتك تبكي كطفل

هذه الكلمة دفعت بالكبرياء الذي عرف به لينتفض بقوة حيث قال باستعلاء

-تابعي الحلم

بثانية قلب الهدوء لفوضى عارمة مع انبثاق سيل الرصاص بكثافة شديدة من العدم موجها نحوه، أخفض جسده محيطا رأسه بيده وهو يستمع لرسل الموت التي تساقطت فوق رأسه، أغمض عينيه بشدة وجسده يرتجف فيما الهاتف على أذنه مستمعا لها

-أنا لا أحلم بل أنا على بعد خطوة واحدة من تحقيق هدفي

ساد الصمت على المكان بعد هذه الموجة ليعود الصمت القاتل مسيطرا على المكان، أزال يده عن رأسه وهو يقبض بالثانية على الهاتف، فحياته بأكملها أصبحت معلقة بهذا الجهاز الموضوع على اذنه، تسارعت أنفاسه بشدة وصلت إلى محدثته التي رسم هذا اللهاث الرضى على شفتيها بابتسامة ماكرة لتقول

-يبدو أنك لا تحب الظلام

رفع عينيه بتوتر مع هذه الكلمات لتتابع هي

-أتريد أن أضيء لك المكان؟

-ماذا؟

-ألا تريد أن أعيدك إلى النور من جديد بدل هذه الظلمة؟

كل خلية داخله صرخت بأجل ولكن شفتيه نطقتا بالعكس تماما

-لا

ابتسمت بخفة لتقول

-استمتع بها

توت…..توت……توت…..توت

تهادى هذا الصوت إلى عقله ببطء شديد رسم الجمود على عينيه اللتين تجمدتا مكانهما وهما مثبتتين أمامه، لقد اغلقت الخط، لقد انتهى كل شيء، ولكن كيف؟ كيف ستضيء المكان؟، بقي جالسا مكانه وذلك السؤال يتردد في رأسه، حتى أنه لم يتمكن من النهوض لأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله، يده بقيت مطبقة على الجهاز على أذنه حين انعكس ذلك اللون الأحمر على عينيه وهو يرى النيران تشتعل في كل ناحية حوله، الحرارة التي كان يحس بها تحرق جسده شاهدها مجسدة أمامه وكل شيء حوله يتحول لكرة حمراء دامية تخللتها تلك الألسنة البرتقالية اللامعة، أدار عينيه حوله دون أن يقف محاولا استيعاب هذا الوضع، فالنار تلتهم كل شيء حوله، الشجر والعشب والورق وكل شيء، فيما هو غير قادر على النهوض، صوت قوي في رأسه استحلفه بكل ما هو مقدس أن ينهض ويغادر ولكن جسده لم يتقبل هذا الأمر، لم يخضع جسده لأي أمر، فلأول مرة يصرخ عقله في ناحية وينفذ جسده في ناحية أخرى، لأول مرة لا يتفق هذين الاثنين على أمر واحد، لأول مرة يحس بنفسه تائهة بين جسده وعقله، لأول مرة يحس بأنه فعلا إنسان

-أليس هذا جميلا؟

انبثق صوتها إليه من جديد ولكنه لم يأتي من خلال الهاتف كما توقع، رفع عينيه للأمام ليجدها واقفة أمامه بهدوء، عينيها كانتا تنطقان بالانتقام وشفتيها انفرجتا عن ابتسامة منتصرة، ويدها قبضت على ذلك المسدس، راقبها بعجز أحس به يشل حتى لسانه لتقول هي

-لقد أتيت لأقول وداعا فأنا أدين بها لك

رفعت المسدس نحوه لتقول

-أهناك ما ترغب بقوله؟

عند هذا انحلت عقدة لسانه ليقول بذهول

-دانيا

فابتسمت بهدوء غامض لتقول

-وداعا

ودون أي حرف آخر ضغطت على الزناد لتنطلق تلك الرصاصة مستقرة بالضبط بين عينيه راسمة عينا ثالثة لم ترى ولن ترى النور حتى هناك.

Y.A.H

 

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة يسرى حسونة

يسرى حسونة

محامية وباحثة قانونية, طالبة ماجستير جنائي , وروائية في الأدب البوليسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *