قصة قصيرة, مقال, مميز

دقّت أجراسُ العنوسة!

لقد تمت قراءة هذا النص28392 مرّة/ مرّات!

لا أدري لمَ يشبّهون الزواج بالقطار! يجلب هذا التشبيه لرأسي صوت صافراته المقيت ومعدنه الثقيل المتآكل، وانعدام الأوكسجين داخله إثر اكتظاظ الناس.. والأسوأ من ذلك توظيف هذا التشبيه لإقناع إحداهن بأن القطار قد يفوتها إن لم تقبل بفلان عريساً..
لمَ لا يكون الزواج سحابة يسوقها الله وحده بحكمته ووقتما يشاء، لتستقر فوق اثنين، تغدق عليهما حباً ورحمة؟ تلك ديمومة الحب..

دقّت أجراس العنوسة لمّا بلغتْ الثالثة والعشرين.. حولها جارات أمها يحاولن إقناعها بركوب القطار.. “ممَ يشتكي المهندس فلان؟ غني ويملك شقة، أو فلان صاحب محل الأجهزة الكهربائية، غداً تجلبين غسالة صحون تزيح الأعباء عن كتفيك!” تعترض المسكينة باكية “لا أحبه” فترشقها النسوة بمقولتهن المشهورة “سيأتي الحب لاحقاً”!

سلّمتْ آخيراً بأن الحب سيأتي لاحقاً، وظلّت تنتظره سنتين كاملتين بعد الزواج.. زوجها رجل أعمال غني، طريقته الوحيدة للتعبير عن حبه لها كانت بالتعاقد مع دكان الحي لتجهيز مؤونة أسبوعية يوصلها البقال إلى المنزل.. كلما طرق الباب تنادي من الطارق؟ فيجيبها “بصل وبطاطا وبقدونس…”، تأخذ من يديه الأطعمة لتباشر رحلة الادخار..

كانت لا تحب البصل، أضحت لا تطيقه.. اجتازت مرحلة الإحساس به كمادة تؤكل ليصبح له ارتباط متين بأسلوب حياة زوجية فاشل.. الدموع التي كانت تسيل من عينيها أثناء تقطيعه بدأت مع الوقت تختلط بدموع أخرى منبعها بلا شك داخلي..
حاولت مراراً إقناعه بأن حاجتها للحب باتت ملحّة، إلا أن رده المعتاد كان “أعمل من أجل توفير حياة أفضل لنا”..

في أحد صباحاتها الروتينية دقّ جرس منزلها، لتجد وردة حمراء طُرِحت بأناقة على عتبة الباب، أخذتها بكل عناية تتتبع أثراً لمرسلها.. فليكن زوجها أو أي أحد.. ما يهم أن الوردة أرسلتْ لها.. غرست ساقها في إناء به ماء محلى..

لما علمت بأن المرسل لم يكن زوجها، انهارت باكية وقادها انهيارها لتحطيم كل ما يعترضها من أوانٍ زجاجية، بما في ذلك.. إناء الوردة نفسه.. تسرّب ماؤه إلى شوال البصل كجيش من الغزاة الثائرين، يغمدون خناجرهم في صدور خصومهم.. وسط سيالٍ من نشوة التحطيم تلك أخذها مشهد الوردة والبصل إلى أفق آخر من الإدراك.. ثم القرار..
عاد زوجها من عمله يوماً ليتفاجأ بمقصوصة على مقبض الباب كَتبت عليها بحبر مرتجف “تُطعم الأجساد ماءً وسميد، هلّا سألتَ الأرواح ماذا تريد؟”.. وكان المنزل فارغاً.. بكل تأكيد..

خير عمل سينمائي سلّط الضوء على هذا الجانب في العلاقات الزوجية هو الفيلم الهندي The Lunchbox تناول فيه الكاتب قصة امرأة حاولت التودد إلى زوجها وجذب انتباهه بطهي صنوف الطعام وإرسالها إلى مكان عمله بصندوق الطعام أو ما يسمى بالسفرطاس، يخطئ ساعي البريد المكلف بتوصيله فبدلاً من أن يأكل زوجها طعامها، يأكله رجل آخر، وتتطور القصة من هنا.

اختلق المجتمع أجراساً ونواقيس وزمامير خطر، بل وجعل طنينها يتجلى في هتافاته البالية.. ثمة أجراس أخرى لم يكترث لها، أولئك الغرباء المتسللون إلى علاقات زوجية متعطشة للحب والاهتمام منذ اللحظة الأولى.. علاقات زوجية تأسست وسط ازدحام المسافرين في القطار.. بلا أكسجين ولا هواء..

وتزداد الخطورة في زمننا، إذ لم يكن للانترنت دور في نشوء مشاعر بين الزوجة وصاحب الوردة المجهول، أو الزوجة الأخرى والمحظوظ المستطعم أكلها.. المشاعر لا تعرف جداراً أو سداً.. وهنا تتضاعف المسؤولية أمام قرار الزواج ابتداءً بصاحب العلاقة، ثم الأهل، ثم المجتمع.. لا تهمشوا دور المشاعر أبداً!

نُشرت بواسطة شريفة الشريف

شريفة الشريف

سورية، خريجة آداب Sharifaabdulsalam@gmail.com

‏6 رأي حول “دقّت أجراسُ العنوسة!”

  1. وسيم يقول:

    سلمت الأنامل .. أما القطارات في بلاد الحب دقيقة مواعيدها

    1. شريفة الشريف
      شريفة الشريف يقول:

      لا شك في ذلك 💘

  2. لينا الشخشير يقول:

    أتساءل ..هل علينا أن ننتظر ذلك الحبّ لينقذنا من عيون المترقبين ؟ أم علينا أن نبحث ، أم نستسلم لمقولة جارات الحي ؟
    لقلبك المودّة يا شريفة القلم و الفكر ♥

    1. شريفة الشريف
      شريفة الشريف يقول:

      رحلة البحث عن شريك العمر مسألة فطرية، لكن برأيي يجب ألا تتحول رحلة البحث هذه إلى هدف يستنزف طاقات الإنسان العقلية والبدنية بحيث تتجمد طموحاته وهنا أستشهد بما كتبته أحلام مستغانمي “أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر”، أجمل حب ذلك الذي نعثر عليه في ميادين الطموح واكتشاف الذات.. أما كلام الجارات فيضرب به عرض الحائط.. سعيدة جداً بمرورك وأتمنى لو تتسنى لنا جلسة قهوة أدبية نحكي فيها عن الحب والزواج.. الكلام فيهما يطول ☺

  3. Hboosh Badran يقول:

    رائعة هيك تفكير الناس المتخلفة وعقلهم سطحي

  4. Wadeah Alghafliy يقول:

    لا تهمشوا دور المشاعر أبدا i like it

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *