مراجعة كتب, مميز

القوقعة _ يوميّات متلصّص ((أدب السّجون ))

لقد تمت قراءة هذا النص8439 مرّة/ مرّات!

إنّنا وبالنّظر للتّاريخ الإنساني ، لا نجدُ كاتباً ولا رواية إلّا وتناولت في الكثير من فصولها مظاهر الاضطهاد الذي تعّرض له الإنسان ، بدءاً بجسده وانتهاءً بروحه ، هذا الإنسانُ المثقل بهويّته ، انتمائه ، توجّهه ، اسمه ، لغته ، بلده ، تطلّعاته ، وحتّى فقره أو غناه .
وقد قرأت في العديد من الرّوايات التي تنتمي لأدب السّجون الموت البطيء له –الإنسان – سواء كانَ الطّرف هو السّجين أو السّجان .
في رواية (القوقعة) نجد أنّ الكاتب يفصّل لنا مراحلَ السّكرات التي تمرُّ بها الإنسانيّة قبلَ أن تلفظَ أنفاسها في ضمائر أولئكَ التّابعين لنظامٍ كلّ ما يعنيه هو دكّ حصون التّطلّعات نحو الخلاص ، ويصوّر لنا الكاتب مشاهد التّعذيب حتّى نكاد نختنق بإحدى العبرات التي نذرفها أثناء القراءة ، يجرّدون الإنسان من كلّ معالم الحياة إلا الحياة ، يصبح الموتُ رحيماً في حالات الظّلم التي يتلقّى بها الجسد كلّ أنواع التّعذيب ليصلَ المرء لمرحلةٍ من الخنوع اللّاإرادي للحياة دونَ أدنى شعورٍ بها . 

” عم تجدبها علييّ ؟ أنا بدّي أسماء أهلك !! … قلّي أسماء أسرتك بالتّنظيم ولى … ” 

_” بس سيدي أنا مسيحي .. أنا رجل مُلحد ما بآمن بالله “

هذه الرّواية تَحكي أحداثَ مَرحلة مأساويّة عاشها الكاتبُ السّوري ” مصطفى خليفة ”  لمدّة خمسة عشر عامًا دون أن يَعْرِفَ التّهمة في سجن تدمر الصّحروايّ المُصنّف من أكثر سجون العالم إرهابًا.

نشرها الكاتب عام 2004 وبسبب منعها لم يستطع ترجمتها إلى العربيّة حتّى عام 2008 حَيْث انطلقت الطّبعة الأولى لها من بيروت ، غيرَ أنّ الرّواية تعرّضت لمصادرة جميع النّسخ التي وصلت لدمشق في معرض الكتاب كما أورد الكاتب لقناة الجزيرة في برنامج ” خارج النّص ” لأنّها تشرحُ واقعًا من أصعب المراحل التي مرّت في تاريخ سوريا و تتحدّثُ بشكلٍ واضح وصريح عن القمع السّياسيّ والإنسانيّ الذي كان يُمارس على أصحاب الرّأي .

يقول في الإهداء

” إلى سجناء الرّأي في كلّ زمانٍ ومكان ، عسى أن يعيد لهم نشر هذه الشّهادات جزءًا من حقوقهم المُنتهكة “

المضمون والأسلوب :

تَبدأُ الرّواية بعودَةِ الكاتب من باريس مُندفعًا لذلك بسبب حُبّه لبلده وشوقه لها أوّلًا

أنا أحبُّ بلدي، مدينتي. أحبُّ شوارعها وزواياها. هذه ليست رومنسيّة فارغة، إنَّه شعور أصيل، أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حيّنا، أعشقها، أحنُّ إليها 

و ظَنًّا منه أنَّ وطنه سيفتحُ ذراعيهِ ليحتضنه ويربّتَ على أحلامه ، ويتشبّث بوجوده كأيّ بلدٍ يحترمُ أصحابَ الكفاءات

“إنَّ طموحي كبير، في فرنسا سوف أبقى غريباً، أعمل كأيّ لاجيء عندهم، يتفضّلون عليّ ببعض الفتات … لا… لا أريد. في بلدي أنا صاحب حق

وصَلَ إلى المطار وقبلَ أن يتسنّى لهُ تقبيلَ التّرابِ كأيّ مُهاجرٍ مُشتاق فتحَت لهُ القوقعة أبوابها ، ثُمَّ أغلقتها بإحكام لأنَّ تقريرًا ما وصَلَ إلى الحكومة قبلَ ثلاثِ سنوات من عودته

” إنّني تلفّظتُ بعباراتٍ جارحة بحقّ رئيس الدّولة ، وهذا الفعلُ يعتبر من أكبر الجرائم ، يعادلُ فِعلَ الخيانةِ الوطنيّة إن لم يكن أقسى “  .

في السّجنِ الصّحراوي تبدأ رحلةُ الموتِ التي قادهُ إليها ظنّهُ وإيمانه بالحريّات في أوطاننا ، تبدأُ أحلامه تتعفّن بينَ جدرانِ السّجن الرّطبة وتنزوي شيئًا فشيئًا إلى أن اختفت تمامًا مع مرور الوقت ، وكأنّها لم تكن .

كانَ الكاتبُ بارعًا جدًّا في نقلِ الأحداث وتصويرها حتّى يكادُ القارئ يشعرُ بأثرِ الألمِ الذي تُخلّفهُ سياطُ السّجانين على جلودِ السّجناء

” شوووو؟ عم يحك راسه ؟ وسحبتني الأيدي خارج الرّتل . تقاذفتني صفعًا ولكمًا . لكمة تقذفني ، صفعة توقفني ، النّار في الرّقبة والوجه . تمنّيتُ لو أبكي قليلًا “

،والنّدبة التي تسبّبها الشّتائم المقيتة وكأنَّ السّجّانين لا يجيدون لُغةً غيرها ” كول خرى ، ولى ”  ” يا ابن …. “

، يسْمعُ قرقرة معداتهم الخاوية  ، وأنينَ أجسادهم الواهنة

” بعد ثلاثة أشهر من الجوع ، الهزال ، واصفرارِ الوجوه بادٍ على الجميع ، قَلّت حركة الجميع “

ويراقبَ موتَ الحياةِ في أعينهم التي أُطفئ بريقها بسبب العتمة الدّائمة المُسلّطة عليهم حتّى اعتادوها.

كان الكاتب الشّخص الوحيد الذي ساقهُ قدرهُ لأن يُصبحَ المتلصّص على تحرّكاتِ الشّرطة في الخارج من خلال الثّقب الذي اكتشفه بجانبه على الحائط هاربًا من العزلة التي عاناها -بسبب بُعد السّجناء عنه لمعرفتهم بأنّه نصراني ملحد وهم أغلبهم من الأخوان المسلمين- إلى تسلية نفسه بمشاهدة ما يدور في الخارج .

سجّلَ بذاكرته كل ما رآه ، وقد استفاد من ذكاء الإسلاميين في هذا

” الكتابة الذّهنيّة أسلوب طوّره الإسلاميّون … عندما قرّرتُ كتابة هذه اليوميّات كنتُ قد استطعتُ بالتّدريب تحويل الذّهن إلى شريط تسجيل “

ومن بين تلك التّسجيلات كانت الحوارات النّاريّة التي تدور بين الإسلاميين ، وتكفيرهم بعضهم البعض ، و أسماء الفرق وطُرقَ اتّصالِ المهاجع بعضها ببعض ، ملامح الشّخصيّات وتطوّر كلّ شخصيّة منهم من وصل للجنون ، الانتحار ، ومنهم من باتَ قريبًا من الإلحاد بسبب شعوره بعدم وجود عدالة إلهيّة مُسْتخدمًا شخصيّة الأب الذي خيّره القاضي باختيار واحد من أبنائه الثّلاثة لينجو من الإعدام ، لكنّ القاضي أعدم الثّلاثة فيما بعد :

” يا رب .. يا رب العالمين ، أنا قضيت عمري كلو صايم مصلّي وعم أعبدك ، يا رب أنا ما بدي أكفر .. بس بدّي اسألك سؤال واحد : ليش هيك ؟ ،  وبصوتٍ عالٍ أقرب إلى الصّراخ وهو يلتفت إلى النّاس : ولك ليش هيك ؟ يا رب العالمين ليش ؟ “ .

والاحفالات الوطنيّة ، وحملات التّعذيب الجماعي والفردي

” استمرّ التّنكيلُ من قبيل الظّهر إلى ما بعد حلول الظّلام ، وكان أكثر ما يؤلم مشهد المشلولين وهم يُضربون ، يحاولون الحركة ، يحاولون تفادي الضّرب .. ويظلّون مكانهم “

هي لم تكن قصّة شخصيّة بقدرِ ما كانت عدّةَ قصص اجتمعت لتختصر وضع سورية كُل شخصيّة تحدّثت عن معاناتها من خلال الحوار سواء الإسلاميين ، أو المسيحيين ، أو الشّيوعيّين .

انتهت الرّواية بانفصال الكاتب عن الحياة ، وعدم قدرته على التّكيّف معها مرّة أخرى

” في حضور النّاس أُحسُّ بالوحشة والغربة ، أشعر أنّ هناك عبئًا ثقيلًا ملقى على كاهلي ، ولا يزول هذا الإحساس إلّا عندما أعود إلى غرفتي “.

كانت النّهاية سوداويّة

” تزداد سماكة وقتامة قوقعتي الثّانية التي أجلس فيها الآن “

دعا الشّعب للنّهوض لكن كانت صيحته خافتة ، في الخاتمة إنّما في كلّ الرّواية قدّم أسبابًا لتحطيم جدران هذه القوقعة .

الرّواية كانت سرديّة وصفيّة في معظمها ، مليئة بالصّور الواقعيّة المؤلمة .

اللّغة :

فُصحى قريبة لذهن الجميع ، اعتمدَ على اللّهجة المحكيّة في الحوارات ، وخاصّة ما كانَ يقوله السّجانون وهذا أضفى الواقعيّة على السّرد رَغم امتلاءِ الرّواية بالألفاظ النّابية التي قد يستهجنها القارئ .

بينَ ناقدٍ وآخر :

اعتبرَ بعض النّقاد أنّ في أحداث الرّواية مبالغة ، ولا يمكن أن يحدث شيءٌ بمثل هذه البشاعة والدّموية ، واعتبروا استخدامَ الألفاظ النّابية الصّريحة مأخذًا على الرّواية .

بينما اعتبرها الكثيرون حقيقيّة واقعيّة وكانَ لا بُد من وضع كلّ شيء بمسمياته حتّى لا تفقد الأحداث واقعيّتها .

‏16 رأي حول “القوقعة _ يوميّات متلصّص ((أدب السّجون ))”

  1. Hamed Mekdad يقول:

    مهما وصف الكاتب هو نذر يسير مما حصل و يحصل في اقبية سجون طواغيت العصر

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      وللأسف كنّا نعتقد أنّ ما يُكتب هو محض مبالغة ، ولكن عندما عايشنا ظلمهم رأينا الواقع أوجع بكثير ممّا وصفو وأنَّ قلمًا مهما بلغت براعته لن يستطيع وصف القمع الذي يحصل

  2. Ahmad Khalidi
    Ahmad Khalidi يقول:

    كل التحيةلك على المجهود في مراجعة الكتب ..قد ننصح القائمين على الموقع بفتح قسم خاص لهذه المراجعات المهمة تقديرا لمجهودك الجميل 🙂

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      يسعدني أنّكَ تتابعُ مراجعاتي أستاذ أحمد ، وشكرًا على هذه النّيّة الطّيبة 🙂 أهلًا بِكَ دائمًا

      1. Ahmad Khalidi
        Ahmad Khalidi يقول:

        شكرا لك مرة أخرى لكن دون “استاذ” انا لست استاذا الا على سبيل الكِبَر في السن ربما! 🙂

        1. عائشة المصري
          عائشة المصري يقول:

          إنّما نستخدم الألقاب احترامًا للشّخص الآخر ، وليس من بابِ كِبَرِهِ خُلُقًا ، أو تقدّمه بالسّن ، العفو يا أحمد 🙂

  3. Omar Akrad
    Omar Akrad يقول:

    استمري بالتوفيق أخت عائشة

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      وقودُ مسيرتنا بصيرةُ القُرّاءِ وتشجيعهم ، سأستمرّ بإذنِ الله شكرًا لك 🙂

  4. adnan labash يقول:

    هاد الشي الي ذكره هو جزء من معاناة المعتقلين حاليا … المخابرات والمعتقلات السورية ارتكبت أبشع انواع التعذيب والقتل وما الى ذلك …
    بالتوفيق أختي ..

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      من سوء حظّنا أنّنا كنّا الجيل الشّاهد على أكبرِ مجزرة تاريخيّة ، وفّقنا الله جميعًا شكرًا لك

  5. Omar Akrad
    Omar Akrad يقول:

    أخت عائشة ممكن تقرأي قصصي رسائل بدمع العيون او حلم طفل لاني محتاج نصائح من حدا محترف فضلا وليس أمرا

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      لَنْ أرفضَ بالتّأكيد ، لكن سأعطيكَ رأيي كقارئٍ متعمّق ودونَ مجاملة ، لا تعتبر رأيي نقدًا فلستُ ناقدةً ولا أدّعي ما ليسَ بي ، انتظر تعقيبي على قصصكَ قريبًا جدًّا إن شاءَ الله . أهلًا بك دائمًا

      1. Omar Akrad
        Omar Akrad يقول:

        شكرا أخت عائشة أنا بالإنتظار والنقد هو سبب النجاح بالنسبة إلي

  6. عبد القيوم يقول:

    قرأتها قبل سنوات..ومازالت تجثم على صدري من فرط واقعيتها وسوداويتها..وهناك سرد أشبه بالرواية(تدمر..شاهد ومشهود) كتبه إسلامي كان معتقلا في سجن تدمر..وفيه نفس التفاصيل المذكورة في الرواية..مما يؤكد واقعيتها وعدم وجود مبالغة فيها..شكرا على النقد الرائع أخت عائشة..

    1. عائشة المصري
      عائشة المصري يقول:

      كلّنا كنّا لا نصدّق أنّ ظلمًا كهذا قد يحصل في بلادنا ، وللأسف هذه حقائق وقعت وما زالت . العفو يسعدني أنّ مراجعتي أعجبتك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *