خواطر, مميز

زِرُّ صغير .. إنّه قلبي.

وقت القراءة : 3 د
قرِأ النص 182 مرة
التعليقات : 0 تعليق

الساعة الثالثة فجراً، وقتٌ مناسبٌ للتسلُّل إلى الثلاجة، شُرب القليل من الماء، النظر من النّافذة أو حتى الانتحار لكنني لا أفعل شيئاً غير التحديق في السقف والتفكير في الفراغ، كانت لحظة مجيدة خالية من وجوه الأحبة الأغبياء، مصاريف المنزل، التأكد أكثر من مرةٍ بأن باب المنزل مغلق، عدّ أرغفة الخبز المتبقية في الثلّاجة، والتأكد بأنّ هذا الكائن التعيس الذي يعيش في هذا الجزء من العالم هو أنا تماماً ولا أحد غيري .. كانت لحظةً خاليةً حتى من اسمي وتركت ذلك الجزء الشفاف يطفو في رأسي كأنه أنا المفقودة وقد وجدتني أخيراً كومة من اللاشيء، سأشعر بالخزي حين يكتشفون أن تلك التي كتبت لهم رسائل مؤثرة، مشت معهم لآخر أعمارهم، تركت جزءاً منها في هواتفهم وصورهم وشوارعهم، غنّت معهم الكثير من الأغنيات اللَّطيفة لم تكن إلا مجرَّد فراغ بشعٍ يراه الجميع. من أنا؟ هذه التي تجلس أمام المرآة ما رأيها بي؟ قصصت لها شعرها مؤخراً وتركت جراحها تسيل على طول الدرب كالبلهاء عديمة الخبرة في تضميد الجروح المتروكة، ألبستها ليلاً تحت عينيها وأجبرتها على ارتداء ألوان كريهة، جعلت منها مسخرةً مطلقة .. ما رأيها بي؟ أنا الفراغ الذي يسكنها ويقتحم عقلها هل تحبّه؟ لو كانت روحاً أخرى داخلها هل سترضى أم ستبحث عني كالضائعة؟ ربما هي أيضاً لا تريدني وتتمنى أن تتخلَّص مني، أعتقد أنّها تظنني أكبر منها بكثير وتؤمن بأنّي عشت داخل عقل ذبابةٍ قبل أن استوطن جسدها، كالغريبة أحرّك يدها .. يدي، تلك العروق الزرقاء تريد أن تبكي على كتف خليّة ما لكن ما من أحدٍ يساندها وهذا بطبيعة الحال محزنٌ إلى حدٍّ ما، الساعة الثالثة فجراً ولا صوت في قلبي، لا أحبّة يرتدون قمصاناً فستقيةً ويلوّحون بحرارةٍ لأيامنا التي مضت، لا طفولة لطيفة كفاية تُحكى أمام الجميع .. فقط هناك عند طرف الخزانة زرٌّ صغير كان مع أمّي ومذ أن جئت به إلى هُنا تغبَّر، زرٌ صغير بأربع فجوات لا تساوي قِرشاً، متروك وبارد كقصص الأطفال يذكّرني بابتسامتي وصوتي المشترك مع هذا الوجه الذي أوصل من خلاله رسالتي الفارغة إلى العالم .. غداً يتحسّن كل شيءٍ على نحوٍ كاذبٍ تقريباً، الساعة تدقّ وهذا الزر الصغير مُهمَل منزوع من مكانه لكنّه رغم كلّ المآسي .. يدقّ بعنفٍ وعكسي تماماً لا يبكي ..

نُشرت بواسطة دنيا سنونو

دنيا سنونو

أصدرت رواية وسيتم نشر رواية ثانية قريباً .. قارئة نهمة لشتى مجالات الأدب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *