تسجيل
خواطر, مقال

السياسة السرية 3.5/5 (1)

وقت القراءة : 4 د
قُرِأ النص 311 مرة
0 تعليقات

بعد شهور قليلة من توقيع إتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية قدم “هيرمان آيلتس” السفير الأمريكى فى القاهرة إستقالته من منصبه قائلا :”إن إستمراره فى العمل الدبلوماسى سوف يكون بالمخالفة مع ضميره،فقد رأى بعينه أن كارتر وعد السادات بمايعرف انه لايستطيع تنفيذه،وأن السادات قبله منه دون أن تكون لديه ضمانة واحدة لإمكانية تنفيذه،وأن مثل هذا الوضع لن يصنع سلاما فى الشرق الأوسط”
وكان “آيلتس” واضحا وقاطعا حين قال – فى حضور “بطرس غالى” وزير الدولة للشئون الخارجية – أن معاهدة كامب ديفيد “كارثة”.
فى نوفمبر 78 كان الرئيس “السادات” فى منتجع كامب ديفيد يفاوض الإسرائيليين – بحضور الرئيس الأمريكى كوسيط – لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط،وفى يوم من أيام التفاوض ضاق “السادات” بتعنت وصلف رئيس الوزراء الإسرائيلى “مناحم بيجين” وهدد بمغادرة المنتجع والذهاب إلى واشنطن أو نيويورك وإعلان فشل المباحثات.
ولما سمع “چيمى كارتر” بذلك ذهب إلى الرئيس المصرى وطلب منه أن يقبل بمايعرض عليه “من أجل خاطره” لأن ذلك سيساعده فى الفوز بالإنتخابات المقبلة،لأن فشل المباحثات سيضعف موقفه،وتعهد الرئيس الأمريكى بأنه إذا فاز فإنه سيرد “دين” السادات أضعافا مضاعفة !!!
وزيادة فى الضغط على أعصاب “السادات” (المتوترة أصلا) فإن “كارتر” حذره من عواقب الفشل لأنه سيجعله تحت رحمة المتطرفين العرب (ليبيا والعراق وسوريا) مما يهدد بقائه فى الحكم،ووافق “السادات” وقبل بماهو معروض عليه.
وبرغم نجاح المفاوضات وتوقيع معاهدة السلام بعد ذلك إلا أن “كارتر” خسر الإنتخابات وبالتالى لم يجد “السادات” – فى أول لقاء له مع إدارة الرئيس الجديد “دونالد ريجان” – من هو مستعد لتنفيذ “وعود” ذلك الخاسر،وعاد الرئيس المصرى وقد ضاق صدره بكل شئ وأى شئ فإتخذ قراره العصبى بإعتقال كل رموز المعارضة فى 5 سبتمبر 81،مادعا الجماعة الإسلامية للتخطيط فى إغتياله.
وبحقائق الأشياء فإن الرئيس “السادات” لم يكن يقدر على إعلان فشل مباحثاته مع الإسرائيليين لأنه لو فعلها فإنه كان عليه – فى نفس اللحظة – تقديم إستقالته من منصبه،وعلى هذا الأساس تعامل “بيجين” معه منذ نوڤمبر 77 حين قام الرئيس المصرى بزيارته للقدس،ولم يكن متعجلا للوصول لأى إتفاق لايضمن سلامة وأمن الدولة العبرية من منظوره،بعكس “السادات” الذى كان ملهوفا على أى ورقة تكون حجة معه أمام المتشككين فى جدوى سياساته.
وبدون الدخول فى مناقشات بيزنطية عن ماحدث فإن غلطة “السادات” الكبرى هى إعتماده مبدأ “السرية” فى تخطيط وتنفيذ ما أراده،فهذه كانت نقطة ضعفه الكبرى التى إستغلها الأخرون وضغطوا عليها ليحققوا مصالحهم،عارفين أنه ليس فى مقدوره سوى قبول مايعرضونه عليه….وكان ماكان.
والسرية فى السياسة مطلوبة فى بعض الأوقات لكنها تصبح مضرة وخطيرة فى معظم الأحيان،وللأسف فإن السياسة العربية – فى مجملها – تدمن السرية فى تعاملاتها وسياساتها،وهى سرية لاتدوم فى عالم لم تعد فيه أسرار.

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *