تسجيل
مقال

الزعيم !

وقت القراءة : 4 د
قُرِأ النص 466 مرة
0 تعليقات

سئل “چورچ بوش” (الإبن) أثناء حملته الإنتخابية الأولى :ماذا تعرف عن حركة طالبان؟ فأجاب :”أظنها فرقة موسيقى جديدة”،ورغم هذا المستوى الضحل والجهل فقد حكم الرجل ثمانى سنوات متصلة،بل وكان هو نفسه من شاءت له المقادير أن يحارب طالبان ويقصف عمر الدولة التى أقامتها.
فى الغرب الأوروبى وأمريكا أصبحت عملية “تصنيع الرئيس” عملية ممنهجة منذ الخمسينيات،ولم يعد للبرنامج السياسى للمرشح أهمية كبيرة،أو بمعنى أصح أصبح عامل ضمن عوامل أخرى،ولم يعد لمخططى السياسات دور كبير بقدر أدوار كاتبى السيناريو،ومؤلفى القصص و”الفاشينيست” خبراء التزويق والمكياچ الذين يقدرون على تحويل “الفسيخ إلى شربات” !
ولقد كانت مؤسسات الفكر وبيوت المال الكبرى أذكى ألف مرة حين تركت “شكل” الرئاسة لمن يريدون ولمن يقدر فى حين أنها أمسكت ب”جوهر” الإدارة وخيوطها الرئيسية فأصبحت صانعة السياسات الحقيقية والمبادرات والخطط التى غيرت شكل العالم من منتصف القرن العشرين وحتى اللحظة.
ومن كل ذلك ليس مستغربا أن تجد ممثلا فاشلا (رونالد ريجان) أو مزارع فول سودانى (چيمى كارتر) أو سياسيا جاهلا (چورچ بوش الإبن) أو متهربا من الخدمة العسكرية (بيل كلينتون) أو رجل أعمال عنصرى (دونالد ترامب) وصلوا جميعا لأقوى منصب فى العالم وفى التاريخ،وهم جميعا أصحاب أدوار مؤثرة وسياسات – من منظور المواطن الأمريكى – ناجحة.
على الناحية الأخرى من العالم،فى الشرق بعمومه والعالم العربى بالخصوص فإن السلطة لاتخرج عن نمطين إثنين فهى إما ملكية موروثة أو عسكرية إنقلابية إلا فيما ندر،وبالتالى فإن عملية “تصنيع” الحاكم تتم بأثر رجعى بعد – وليس قبل – توليه الرئاسة،مع الأخذ فى الإعتبار أن أى حاكم شرقى يعتبر يوم تقلده السلطة بداية التاريخ لبلده – قبله عدم وبعده لاشيئ،وفى العادة يبدأ حكمه بإنفراجة ديمقراطية محدودة تكون فى الغالب نقدا لمن سبق،ثم تضيق مساحة الحرية (كلاما وعملا) بعد وقت قليل حتى تصير ديكتاتورية فجة،أو ديمقراطية – كما فلسف السادات يوما – لها أنياب.
ولأن الإعلام (بكل أشكاله) مملوك لأجهزة الدولة،أو موجه منها فإن دوره هو أخطر وأهم الأدوار فى “تلميع” صورة الزعيم وتبرير سياساته وقراراته حتى وإن كانت متناقضة أو مرتبكة،وفى ذلك يتم إستخدام كل الطرق (المشروعة وغير المشروعة) فى تلك الدعاية الرخيصة،ولامانع – طبعا – من تزييف التاريخ وتزويره،أو طمس حقائق الحاضر وإخفائها،أو المبالغة فى شكل المستقبل بالوعود الفضفاضة الخيالية،بلا رقابة أو حساب.
وفى كل ذلك فإن مصر ليست إستثناءا ولن تكون،فبالإضافة إلى كل ميراث الطغيان الشرقى المعهود والمعروف فإنها تمتلك موروثا فرعونيا مجيدا،لم يتبق منه إلا مفهوم السلطة المطلقة للحاكم/الفرعون الذى هو مالك البشر والحجر،ولاراد لمشيئته وقراراته وأحلامه وأوهامه أيضا.
ولقد عشنا – نحن الجيل المولود فى نهاية السبعينات وأوائل ومنتصف الثمانينات – فترة طويلة من حياتنا (معظم سنوات التسعينات فى ظل حكم البائس حسنى مبارك) مشغولون ومرهقون بالبحث لإثبات أى من الرئيسين عبدالناصر والسادات كان أفضل وأحسن،وكانت هذه حالة – أجدها الأن عندما أسترجعها – “مراهقة” سياسية وعقلية وفكرية،وفى المطلق لم نكن نبحث من منهما أحسن بل كان الهدف – دون أن نعى – البحث عن سؤال : أيهما كان أقل سوءا ؟ولقد أدركنا – أو أدرك معظمنا – فيما بعد أنهما ومن جاء بعدهما أبطال قصة واحدة متعددة الفصول بخيرها وشرها…..هذا إن كان فيها خير !!
…..الخلاصة أننا – كلنا – فى الهم عرب.

 

ملاحظة المحرر: مادتك مميزة يرجى منك الإنتقال والكتابة في موقع خلاصات هواء من هنا

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *