تسجيل
خواطر

حدثنا الجلاد قال .. 3.67/5 (2)

وقت القراءة : 6 د
قُرِأ النص 268 مرة
0 تعليقات

استلقى -علقمة- على فراشه الوثير ثملا. حملق في زوايا غرفته الغارقة في الفوضى. طيلة خمسة وثلاثين شتاء لم يخطر له أبدا نفض غبار أو تسوية فراش. وحدها الكأس التي يستقي منها الخمرة كانت جديرة بأن يجود عليها بجهده، لطالما اعتبرها معشوقته التي لم يحظى بوصالها يوما، فيغتسلان معا ثم تتعانق شفاههما حتى الثمالة. إذاك تنسدل جفناه على ظلمة حالكة دون أن ينام.

***

في المنزل المجاور، تقطن “براءة”. امرأة عشرينية بكماء، مبتورة اليد اليمنى. هاهي الليلة على موعد مع حمام دافئ يستأصل التعب من جسدها المنهك.

انسكب الماء الساخن على جسدها العاري. نظرت إلى يدها الوحيدة المرتعشة في غربتها. هذه اليد ظلت تذكرها بتفاصيل تلك الحادثة الفظيعة.
كان ذلك منذ نصب “ذوو ذقون الماعز” الخيام في بلدتها وفرضوا “نظامهم” على المتساكنين. ما عاد لها الحق في الخروج “عارية” -أي دون نقاب. مساء شتاء بارد ارتدت البرقع الأسود، واتخذت طريق حمام المدينة. كان خاليا إلا من بعض النسوة وصاحبة المحل. واستسلمت “براءة” للماء الساخن يهدهدها، استمعت لصرخات أنوثتها المكبلة. جعلت تفرك شعرها الفحمي بكلتا يديها. كادت لتنام على دندنة صوت امرأة حذوها لولا أن تعالى صراخ. “انجوا بأنفسكم. المكان يحترق”.

عم الصراخ المكان. فرت صاحبة المحل تاركة بنات آدم في حيرة. تقول إحداهن: “ثيابنا احترقت ما عسانا نفعل”. ترد أخرى: “النار ولا العار.. نحترق ولا نفتضح”. تصرخ أخرى: ” لنخرج سويا وليعف الله عنا”. وسط هذا الجدل، شقت “براءة” الزحام. خرجت بكامل عريها إلى الشارع. قطرات المطر تساقطت على جسدها المبلل، والرجال المارون فاغرة أفواههم، والنسوة المارات فاغرة أفواههن. والكل يستغفر لكن يواصل النظر ولا يغض البصر.

واصلت السير غير آبهة بأحد. دخلت المنزل. صرخ والداها في وجهها لكنها لم تنبس ببنت شفة. أغلقت باب غرفتها بقوة. راحت تصرخ “اللي قعدوا لداخل ماتوا.. اللي حشموا ماتوا..”. كان “أعيان البلاد” أمام المنزل يسمعون صراخها. واقتيدت بعنف إلى وسط البلدة، حتى ينفذ الحكم الصادر لتوه. “بتر اليد اليمنى وقص اللسان على أنظار القوم”.

تقدم الجلاد الثلاثيني -علقمة- يشحذ السيف. نظر مليا إلى الفتاة الملقاة أرضا, عاهد نفسه أن تكون آخر ضحاياه. الجميع هنا يهابه,قابض الأرواح كما لقبه البعض.  كبر ثلاثا وكبر الأعيان وكبر القوم ثم بتر اليد اليمنى بإشارة من أحد الرجال. صرخت البراءة صراخا شق السماء. “اللي حشموا ماتوا ..”. لم يكن صوتها منخفضا ولم يكن –علقمة- أصم ولا أعمى لكنه ادعى الصم وادعى العمى. ثم شحذ -علقمة- موساه، وكبر فكبروا ثم قص اللسان. وصمتت البراءة إلى الأبد.

***

هطلت دموع “براءة” مدرارا، حتى أن يدا واحدة لم تكف لمسحها. كانت هذه أول مرة تحس فيها بعجزها. تأججت نار الحقد في عينيها. “ويحك ! أنسيت سبب قدومك إلى هذه المدينة ! ألن تقتلي ذاك الرجل بعد ؟ هذه اليد الوحيدة، هذا الفم الخالي، حتام أنت مرتقبة؟ “.

استلقى –علقمة- على فراشه. داعب ذقنه. ارتسمت أمام مخيلته صورة الفتاة، تصرخ حتى تنحبس أنفاسها، وهو يجتث يدها فلسانها دون رحمة. انتفض من فراشه. نظر في المرآة، فإذا به يرى كل الأرواح البريئة التي أزهقها تلبية لأمر الأعيان. وتبادرت إلى مسامعه صيحات الأطفال وعويل الأمهات وقد اقتحمت غرفته الداكنة تمزقه إربا إربا.

أمسك المقص، وهمّ بحلق ذقنه لعله يزيح جبال الهموم التي تجثم على عاتقه. فجأة طرق الباب. فتحه، فإذا البراءة متسمرة، مكتفية بثوب الليل المعتم. دفعته بكامل قوتها، أرادت الصراخ في وجهه لكن صوتها الضائع خانها. أرادت صفعه مرة، مرتين، ألفا لكن يدها المبتورة خانتها.

بكت، فبكى، فأحس لأول مرة بالراحة القصوى. عانقته، ولكم صعب عليه هذا العناق بيد واحدة! أغمض عينيه عساه يتذوق طعم النوم المفقود منذ خمس سنوات، لكن يُسراها طعنته في ظهره. صرخ، صمتت، فرّت تطوي الطريق طيا.

***

استلقى –علقمة-  على فراشه الوثير ثملا. تحسس موضع طعنة السكين المنغرسة في ظهره منذ خمس سنوات. “الله أكبر.. الله أكبر” ، فقدت قطرة النبيذ توازنها على شفته وارتمت تداعب ذقنه الكثيف. فتح النافذة، واستنشق نسائم الفجر.

في مثل هذا اليوم من كل سنة تتشكل الأمواج البشرية حلقات وسط الساحة الكبيرة مطالبين بإضرام النار في جسد “براءة” من جديد. فكر –علقمة- : “يال قلوبهم المتحجرة. إن نارا تأكل قد تشبع وبطشهم أبدا لا يشبع”. هلل الحاضرون حال أنزلت “براءة” من العربة الحديدية. حملوها وسط القوم الممتلئة أعينهم حقدا. كان -علقمة- يتابع المشهد وفي عينيه برك من الدموع.
“حرمنا شرب السجارة
وهجرنا كل النصارى
يا قاطع الراس وينك
حرمنا كل شيء إباحي
إلا جهاد النكاح
يا قاطع الراس وينك” ..
كان ذلك آخر ما تفوهت به “براءة” قبل أن يقص لسانها منذ خمس سنوات، أما اليوم فقد بصق على الساحة، وأطبق نافذته تاركا نيران الشماتة تلتهم تمثالها الحجري الأخرس.

 

شيماء الكبير – تونس – منزل تميم

ملاحظة المحرر: مادتك مميزة يرجى منك الإنتقال والكتابة في موقع خلاصات هواء من هنا

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *