تسجيل
قصة قصيرة, نثر

أين رسالتي؟

وقت القراءة : 11 د
قُرِأ النص 130 مرة
0 تعليقات

“غدا السبت، و أنا قد اشتقت لك…الحقيقة لا يهم أي الأيام غدا مادام شوقي ملتهبا، فحاضري سجن زمني مؤقت من دونك، و مستقبلي ثوان تركض لملامسة وجنتيك يا حلوة، كيف حالك أروى، و كيف لي من دون همستك أن أروى…إلى أن يجمع اللقاء شتاتي إليك، ستبقى قطع قلبي محتضنة بعضها،متمتمة باسمك في ثنايا صدري،منتظرة دفئ حضورك ….. ”
(توقف، توقف) قاطعني صوت صديقي ‘أحمد’، (لا تكثر من الكنايات ستعلم يقينا أنني لم أكتبها)، حسنا أجبته “..إلى أن يجمعني اللقاء بعينيك،…أحمد”،
– (خذها و لا تنسى وعدك)،حذرته
-أجاب بلهفة طفل صغير بقطعة حلوى (شكرا يا أبا الكرم)
حمل الرسالة سعيدا و ذهب ليعطيها لابنة عمه لتوصلها لمحبوبة قلبه أروى، أسم تكرر على مسامعي آلاف المرات في بضعة أشهر فقط، البعض يقع في الحب و أنا أقع في فخ كتابة رسائل الحب عوضا عنهم، بدا الأمر حين انبهرت أستاذة اللغة بأسلوبي و أوضحت بأنه رومانسي يصل القلب، في تلك اللحظة أضيء مصباح العبقرية في رأس عماد، و طلب مني بعد نهاية الدرس، أن أكتب رسالة عوضا عنه يعترف فيها بمشاعره الجياشة التي تحتبس في صدره و التي على ما يبدو سأستخرها عنوة منه، أم أني سأكتفي بتخيل مشاعره المبتذلة و أخط ما استطعت في ورقة بالية لينقلع هو و هذا الوجه المسكين الذي يتصنعه من أمامي…
مرت الأيام و قد نجح عماد في استمالة قلب حبيبته برسالتي، و راح يفخر بخطته الذكية التي جعلت ثلة من أصدقائه يقصدونني، و لأنني براغماتي أكثر مني رومانسي ، لم أطلب مالا بل طلبت بكل تواضع ما كان ينقصني…سماعات،بطاقة ذاكرة…الخ
تجارة المشاعر هته جد مربحة، أصبحت أميرا لا يرد له أمر، الجميع يحتاجني مادام الجميع يحتفظ بالسر بعيدا عن ثرثرة الفتيات،… و عن أعين المراقبة،أقرب شخصية للفتيات في الثانوية، و التي تفطنت للأمر و هاهي تبحث عني… لا أستطيع أن أتخيل ردة فعلها فهي مزاجية حد البلاهة، … و الأمر ليس كأنني أروج للمخدرات، حسنا علي أن أعترف الحب هو أقوى مخدر شهدته حتى الآن، كل العشاق الهائمين يهذون بأسماء حبيباتهم، يحيد تفكيرهم عن أحلاهم فتصبح فتاة الأحلام بطبيعة الحال هي الحلم الأوحد، و الوجهة الأولى و الأخيرة لشلال أفكارهم…
عاد أحمد سعيدا هذه المرة، رضيت مهجة قلبه عنه
-كريم رسائلك حقا تصنع المعجزات، أخبرتني برسالتها هي أنها تقرأ رسائلي قبل نومها و عندما تستيقظ، أخبرتني أنها تفكر بي و تنتظر لقاءنا بفارغ الصبر، تفكر بي أنا يا كريم ، أنا !
-هون عليك يا أحمد، لا تفكر بها و كأنها ملكة جمال الكون و لا تشوبها شائبة، لا تقع في فخ رسم صورة مثالية عنها تجعلك تحتقر من نفسك هكذا، في نهاية الأمر هي مجرد فتاة، لا تتبع قلبك كثيرا، سيتعبك أكثر يا صديقي…
-أجابني ببلاهة معهودة منه : لكنني أحبها كثيرا يا كريم…
علمت أن استعمال المنطق مع العشاق يشبه إضرام نار بكوب من الماء، فذكرته بوعده
-حسنا يا صاح أين وعدك؟
-آهه من فرط سعادتي كدت أن أنسى، على مقاسك يا أبا الكرم
كان يحمل بين يديه الهدية التي وعدني بها، قميص حبيبتي أنا و مهجة قلبي أنا، قميص أبيض مطرز بلون ذهبي، يحمل في جهة القلب شعارا ملكيا متقنا، و ياقة كلاسيكية، و على الظهر إسم الأسطورة “رونالدو” ،قميص تحفة بكل بساطة، هذا هو الحب ياسادة، أن تعود للمنزل بعد يوم مرهق و سيء بكل المقاييس، تشاهد مباراة للريال بل لوحة فنية،تعيد التوازن لعالمك وفتجعلك تنام قرير العين….
بعد ما يقارب الأسبوعين، صادفت ما ظننته مجرد خرافة، خصلات كستنائية، عينان عسليتان، شفتان مكتنزتان، غمازتان، ما هذا؟،… تمالكت نفسي و استعدت أنفاسي بما أنها
كانت متجهة نحوي، توقفت من دون مقدمات و سألت :هل أنت كريم؟
-أجبت بثقة عمياء و أنا أحاول ألا أتيه في عينيها: نعم، من يسأل؟
-جميلة، من الصف المجاور، جئت لدعوتك لمسابقة الكتابة التي ننظمها، قيل لي أنك موهوب بل رومنسي أيضا، لم تستطع إخفاء ضحكتها الآسرة.
-قهقهت معها كالأبله : ههه طبعا سأشارك ، متناسيا كم أكره هذا النوع من المسابقات الذي لا تكسب فيها إلا ببضع تصفيقات و قاموسا من المكتبة، و بما أنني براغماتي فلم يكن علي القبول، و لكن من كان ليقاوم ضحكتها….
مرت الأيام كحلم سعيد سرمدي بوجود جميلة فيها، كانت فتاة مرحة مقبلة على الحياة بشغف لم أعهده، وجدتني أحفظ تفاصيلها، أخلق صدفا لألقاها، أفكر بها كثيرا، لا تفارق مخيلتي، قلت في نفسي أن الأمر مؤقت سينتهي كل شيء بعد المسابقة…
في أحد تلك الأيام جاءني أحد العشاق الحمفى يطالبني بأن أكتب رسالة حب عوضا عنه لمن؟ عفوا لم أسمع؟ جميلة تقول ! بدا لي الأمر كمزحة ثقيلة على النفس، المشكل أنني وعدت الأحمق لمدة أسبوع و هو ينجز واجب الرياضيات مكاني، حسنا لك ما تريد من مبدأ وعد الحر دين
“جميلة، بل جمال الدنيا بأكملها، ليتك تعلمين حجم الورطة التي أقحمتني فيها عيناك، كيف أصبحت سحرا أحتاجه كل يوم، و يوم بدونك هو عقرب ساعة معطلة تشير إلى توقيت غيابك، غيابك الذي أقضيه محدقا في سقف غرفتي، مستحضرا ملامحك الملائكية، غمازتك التي تنسق أجمل ابتسامة مع شفتيك، عينيك آه من عينيك، ليلة صافية تتراقص فيها النجوم، تعود إلى ذاكرتي مقتطفات من حديثك، كلماتك التي لها وقع مخدر على روحي، … أما حضورك يا جميلتي فهو تجسيدك الأسمى للجمال، هالتك تغمرني حد الثمالة، و كأنك الحقيقة الوحيدة الممتثلة أمامي و الباقي سراب، أعلم يقينا أن شيئا من الكلمات لن يرسم حتى شبه
النبضة المتقافزة في صدري، فقط أردت أن أعلمك أن في هذا العالم قلما ينزف من أجلك… من الموهوب الرومنسي”.
حمل الأحمق الرسالة التي لم يقرأها حتى و اتجه صوب صفها يعطيها الرسالة،بكل تعجرف و كأنه اعتقد أنني أعطيته المفاتيح لقلبها، لم يعلم أنه مجرد ساعي بريد…و أنني أنتظر لقاءها غدا … يوم المسابقة..
على غفلة فاجئتني :
-أهلا كريم، ما بالك تحدق في السماء..
-أجبتها بهلع : أهلا ماذا تريدين..
-أجابت بضحكة لا تشبهها ضحكة : ما هذا التوتر، هي مجرد مسابقة، بالتوفيق على أية حال سأكون منافسة شرسة…
-همت بالمغادرة، أجبتها : بالتوفيق لك أيضا…
كل ذاك الهلع، كنت غارقا في تفكيري عن ردة فعلها حتى ظهرت من أمامي، لم يكن الأمر في الحسبان، على كل حال غادرت على عجل ربما لتحضر للمسابقة، أم أن فتابعت تفكيري، هل علمت أنها مني؟ أعلم أنها على قدر كاف من الذكاء لتكتشف ذلك، أو بالأحرى تمنيت لو أنها تكتشفه، حتى و إن كنت تاجر رسائل الحب و الناصح الأول للعشاق الحمقى، و بصفتي اليوم فردا من الجماعة، لم أجد من يأخذ بيدي و ينصحني، و هاهو الطريق لقلبها يبدو متاهة، فحتى بائعة الورد ستطير فرحا إن أهداها أحدهم وردة، و ها أنا ذا أنتظر نصيحة لما سأفعله غدا …حسنا قررت الإرتجال…
مر يوم المسابقة في أجواء لا بأس بها، فزت بالمرتبة الثانية، الحقيقة لم أبذل مجهودا يذكر، و مع ذلك جاءتني التهاني مرفقة برواية للمنفلوطي، أفضل من قاموس على كل حال، تقدمت جميلة نحوي، فازت هي بالمركز الثالث، جاءت لتبادل التهاني …
مبارك كريم، الحقيقة فاجئتني…
تهانينا لك أيضا، و ما المفاجئ ألم تقولي أنني رومنسي موهوب، أجبتها لأرى إن كانت قد قرأت رسالتها…
-ما فاجئني هو أسلوبك المألوف، لوهلة بدا لي نفس الأسلوب المستعمل في
. في رسائل الحب المنتشرة في الثانوية، ثم تيقنت من الأمر حين قرأت رسالة منير…
منير ؟ آه الأحمق ساعي البريد..
– ما رأيك في رسالتك؟ سالتها بنفاذ صبر
أجابت بشبه ابتسامة : أنت تعلم مثلي تماما أن الكلمات التي لا تأتي من قلب كاتبها لا قيمة لها، مجرد زينة على الورق…
-و لنفترض أن كاتبها سكب القليل من روحه في كل كلمة، ما رأيك؟
-أجابت في دهاء : و هل يسكب الكاتب شيئا من روحه لجميع الفتيات؟ أنا حتى لم أكمل رسالتي بل مزقتها، لم أشعر أنها كتبت من أجلي بل من أجل صفقة بين منير و الكاتب الغامض، الذي أعتقد يقينا أنه أنت يا كريم …!
-دعيني أعترف أولا أنني أنا كاتب الرسائل، ماذا لو أخبرتك أن كل الرسائل فعلا مجرد كلمات بالنسبة الي، إلا واحدة هي مشاعر محتسبة في صدري، هل تستطيعين معرفة أية واحدة هي بما أنك على ما يبدو معجبة برسائل الكاتب الغامض…
-أجابت في خجل و شيء قد اشتعل في عينيها : و كيف لي أن أعلم أنت كاتبها، ثم أن الكاتب الغامض أجده تاجر مشاعر لا أكثر، يهمني كريم الذي لم يكتب رسالة حقيقة قط في حياته…
– استجمعت القليل من شجاعتي لأصارحها بشكل غير مباشر : ربما لو أتممت رسالتك،لغيرت رأيك يا آنسة جميلة…
-أجابت و قد توردت وجنتاها : و أين رسالتي يا كريم ؟
-محفورة في قلبي يا جميلة !!!
* * *
انتهى

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة كان

كان

مجرد قلم هارب من الماضي،يبعثر الكلمات ليكسر سطوة أطياف تطارده ، و لا يستطيع ،هو فقط يتأسى بأدبه، يسكب قدر ما يستطيع في خاطرة،لعل الحروف تخلصه من كل ما جثى على قلبه يوما، تنزف أنامله ليعيش، لينسى و يتناسى،هو فقط كان...و لن يصبح أبدا...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *