تسجيل
خواطر, قصة قصيرة

في الحافلة 2.83/5 (1)

وقت القراءة : 6 د
قُرِأ النص 78 مرة
0 تعليقات

حبيبة سالم الأولى و التي أصبحت طبيبة بعد ذلك ، التقيتها بربيع ، و قد كانت في ربيعها الثامن عشر ، تحضر نفسها لاجتياز الباكالوريا لتلك السنة شعبة العلوم التجريبية . . كان لقائي بها الأول بحافلة على الطريق و لقاؤنا الأخير أو بالأحرى وداعنا أيضا على الطريق كفيلم الطريق السريع المفقود للأمريكي دافيد لينش. . بالمناسبة إني مغرم جدا جدا بالأفلام كما تعرف يا صديقي وإنها لي كالكتب بالنسبة لك، و لي طريقتي الخاصة في قراءة الكتب لكن ليس مثل طريقتك ، أحدثك عنها في حلقة أخرى ، و ابتسم حتى امتزجت ابتسامته مع دخان سيجارته ، و أردفت ضاحكا

إذن ، لو أضفت إلى مشاهدة الأفلام قراءة الروايات لأصبحت مخرجا ، فهذه إحدى وصفات أن تكون بارعا في عالم الإخراج
سكت ، رفعت رأسي إليه حين سكت، فوجدت عينيه مثل جمرتين ملتهبتين، تكادان تفيضان دمعا و لو فاضتا لأغرقتا شارع أبي ذر. . قلت مستغربا ، مقحما نفسي في قلب الحكاية : ألهذه الدرجة حكايتك معها ذكرياتها تؤلمك و ربما تزعجك. . أحيطك علما يا صديقي أنه قيل : ما كُبِت ، يستمر في الإشتغال داخل لا شعور الأفراد. . فاستجمع قواه و لمّ شتاته و ابتسم ابتسامة بلون الرماد – يا لها من إبتسامة – و قال:
كان لقائي بها بحافلة و أذكر حين ودعتها بالمساء قالت ملوحة بيدها اليمنى و يسراها ضاغطة على ملف أوراقها الأزرق على صدرها المكتنز تحت قميصها الأبيض : هل أنت تشتغل بالتعليم . . أجبت لا ، مندهشا من سؤالها . . قالت : إذن أنت محظوظ و سوف تراني مجددا . . و ضحكت نصف ضحكة ، ضحكة عذبة رقيقة ، رقيقة كنحرها ، ضحكة تقترب من نكهة السرور ، و بعد ذلك افترقنا على أمل لقاء قريب ، قريب جدا ، و بعد ذلك تحركت الحافلة ضاجة بأصوات راكبيها . . و تسمرت مكاني أسترجع لحظاتي بها و أنتظر حافلتي
************
و مرة أخرى، أسترجع لحظاتي ، لحظات الصاعقة، ألا يقال العشق المجنون وليد صعقة ،
كانت الحافلة تسير
و مرة أخرى ، الحافلة تسير و نظراتي نظرات نسر تحوم ، و نزواتي تنبح ، نزواتي كانت تنبح هنا و هناك . . التفت يمينا و يمين الله فالتقت عيناي بعينيها ، فتوقفتا برهة ثم تابع جناحاهما الطيران ، و لا أدري لماذا عادا إلى الوراء فجأة حيث تقف المليحة غارقة في بحر شيء ما . . أقول المليحة و ليس الجميلة ، لأن الجميلة هي التي تكشف عن جمالها فورا ، و المليحة لا تكشف عن جمالها إلا ببطء . . هكذا قرأت في مكان ما
كان جمالها ليس من النوع الذي يعمي العين كشعاع بالضحى بل ككتاب يتسرب شيئا فشيئا إلى أعماق من يتأمله بشغف و يمضغه بشراهة
و هكذا كان. . بشغف بدأت أقرأ قوامها الذي زين بالوقفة المغناج و الأسيل المورد و الهدب الأدق من ورق العشب و الشفة التي بلون زهر الرمان و المبسم الصغير كمبسم العصفور و العيون التي تذل كالحب أعناق الرجال
و تذكرت هذا الدعاء الذي لا أذكر بالضبط أين أبصرته عيوني
“الحمد لله الذي جعل من جسد المرأة مصدر أعظم اللذات، و صنع جسد الرجل لها لترتاح أعظم الإرتياح”
أحلى البنات كانت . . كانت معي فغادرت تصحبها السلامة ، السلامة يا رب .. و عشقي الذي سارع ينمو كلبلاب على جدار قلبي سار يصحبها أيضا
أما كيف بدأ و تطور الحديث حتى أصبح وأضحى و صار و أمسى و بات و لايزال حديث ذو شجون و ربما جنون . . فبالعيون يا صديقي بالعيون
***************
عيناها .. مدينتان
بابل القديمة
و روما الآن
عيناها .. كنز
رحمات لا نهاية له
و كتاب فن الحب
لأوفيد
عيناها
لغز ألغاز
ونشيد إنشاد جديد
عيناها
لو اختصر
لؤلؤتان مغربيتان

*********
ودع ضوء عشقي نهار جبينها
فصاح لساني بين أسناني : يا أماه ، إن ابنك عشق . . فقولي الحمد لله ، لأن حواشي سترق و ستظرف حركاتي و تجل شمائلي فأواظب على الملح لأني عشقت مليحة . . أماه إفرحي و إفتحي شفاهك بالصلوات و الزغاريد
أكرر ندائي لأمي ، لأن أبي مات من زمان . . و أعيش الآن مع أمي الحبيبة لأني أصغر إخوتي و أنا الآن ذو الثلاثين شتاء
يا أمي لا أدري على من توحمت و أنت حامل بي ، إني لست جميلا و لا حتى جذابا لكن بهوسي بها هذه الصبية التي تكاد تؤطرها هذه الأغنية
تلبس إكليل زهر
في خصلاتها الفاحمة؛
خطواتها رشيقة
صوتها نغمة بهيجة
أحس أني غذوت وسيما جميلا بها يا أمي و هي لم تقل بعد أنها فكرت حتى، في كمشروع حبيب .. إنها لبستني بخطواتها و صوتها و خصلاتها
و في تلك الليلة ، في ليلتي الأولى على تعارفنا ، لم تدعني صعقة عشقي أن أستسلم للنوم ، كنت ضعيفا مثل عليل حماه أبعدت جفناه عن النوم حتى مطلع الفجر .. فيما كنت أفكر يا ترى ؟ لا أذكر فيما كنت أفكر يا صديقي

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة Ahmed Elmaataoui

مغربي من مواليد يناير 1974.. حاصل على شهادة الميتريز في الكيماء التحليلية شاعر و ناقد .. صدر لي ديوان "أغبط الماء" 2008 و ديوان "بوجع ..أعانق المستحيل"2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *