تسجيل
مقال

ماذا تفعل يا أبا عتيك في لندن؟!

وقت القراءة : 8 د
قُرِأ النص 88 مرة
0 تعليقات

 في زمن مشايخ السلاطين ومشايخ الفضائيات الذين تجد قدرا لا يستهان به منهم أصحاب فتاوى معلبة جاهزة تشتري بآيات الله ثمنا قليلا ، وفي زمن الإسلام فوبيا قلة هم الذين يعتزون بدينهم وبالأخص في الغرب، ومن هؤلاء القلة الشيخ السوداني  أمير حسن( أبوعتيك ) ، الصيدلي والداعية الذي أقام في لندن سنوات عديدة  ، مبدعا  في مزج تركيبة دعوية تجمع بين الهايدبارك و البالتوك !

تبدأ معرفتي بالداعية أبي عتيك رحمه الله عندما سألت ابن أخي المعتز بالله ، ما تفسير اسمك ؟ فابتسم وقال لي : إما أن يكون اعتزازاً اسميا شكليا فقط وهذا حال الكثيرين في زمن الإسلاموفوبيا ، وإما أن يكون اعتزازاً فعليا في الصميم وهذا حال الداعية أبي عتيك في قلب العاصمة البريطانية لندن، ومن يومها بدأت أتابعه !
تتباين مقاصد المهاجرين العرب المتوافدين لعاصمة الضباب لندن تبايناً شديداً وفقاً لاختلاف نوايا أسفارهم ، وأما صاحبنا فلم يهاجر لإمراة ينكحها ولا لدنيا يصيبها بل كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فقد ألزم نفسه بركن من أركان حديقة الهايدبارك اللندنية الشهيرة في موضع اسمه ركن المحادثاتSpeaker corner ومع مطلع شمس كل يوم أحد من العطلة الأسبوعية إلى غروبها تبدأ مسيرته الدعوية ومن هنا تجلت فروسيته النقاشية الحوارية سواء شفوياً عبر ركن المحادثات أم عبرالعالم الافتراضي للشبكة العنكبوتية في غرف البالتوك الحواري.
وأنعم بهكذانعمأنعم بهذنب فروسية تتوزع بين الهايدبارك و البالتوك رغبة في التعريف بالإسلام ، في حين أن كثيرين من بلادنا العربية تتوزع فروسيتهم بين المطاعم والمراقص والنوادي الرياضية والعقارات ، وقد سئل ذات مرة تفسيراً للقبه أبي عتيك، فقال إنه جاء تيمناً بعاتكة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم .
كان شيخنا متصالحاً مع نفسه تلقائي النظرة للآخرين ، ملتزماً في بيئة تضمن لمن يريد الانحراف كل السبل والوسائل ، وكان مجرد ظهوره جزءاً من الدعوة الوسطية للإسلام ، وكان يتسم بالعفة والتسامح وحضور الابتسامة مع بساطة مدهشة تراها دوماً في اخواننا السودانيين ، وعزة نفس قلما تجدها لدى الآخرين ، ولم يكن يرفض الهدية من الأصدقاء المقربين ، ولذا تقبل هدية صديقه ماجد عبد الغني في كتاب من ثلاثة مجلدات اسمه قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات لمؤلفه تميم بن عبد العزيز القاضي .
يبدو ببشرته السوداء ونظارته الشبابية وطاقيته الأنيقة والصلاح في محياه من صنف الدعاة الذين لا كرامة لهم في أوطانهم ممن لم تسلط القنوات الفضائية كاميراتها عليهم، أما الأكثر تميزاً فهو الهدوء والوقار في محياه وقوة حجته ومنطقه الفصيح وعدم انفعاله بتاتاً ، كما لو كان قادماً من زمن آخر أكثر نبلاً مما نحن فيه ، وكان متعلقاً بالقراءة محباً لها و كارهاً للطائفية والنعرات العنصرية في الغربة التي أبعدته عن أوطان طاردة للجميع؛ لذا كان غريباً على الخليج تماماً كما هو السياب، وتعددت صولاته وجولاته في الميدان الدعوي، وقد عمل في مطلع غربته في مكتبة مسجد اصطلح على تسميته بمسجد لندن المركزي والمسمى ريجنت بارك قريباً من حديقة ريجنت اللندنية الشهيرة، والذي صممه المهندس المعماري فريدريك جيبيرد عام 1969 ضمن مسابقة أطلقها القائمون على أمر هذه المسجد للحصول على بناء هندسي بديع يعكس التراث الإسلامي وانتهى العمل به في العام 1977ثم سرعان ما انتقل للعمل في مستودع هذه المكتبة ،وقد تعرض الشيخ أمير لعدة مضايقات إلا أنه صبر.
عمله الدعوي عبر الأنترنت
لكلٍ وجهة هو موليها ولصاحبنا في عاصمة الضباب دوافع من النبل بمكان وهو المثقف والقارئ المتنور الساعي للدعوة وإظهار سماحة الإسلام ووسطيته ، ففي العام 2005 بدأت قصة تعارفه على صديقه المصور المبدع ماجد عبد الغني ،لتأتي إلى الوجود قناة ماجديات عبر اليوتيوب وهي قناة تهتم بالحوار مع أصحاب الفرق والمذاهب والأديان والرد على الشبهات التي تثار حول الإسلام.
توزعت نقاشات ومناظرات الداعية أمير بين محاورة اللادينيين والملحدين والرافضة والإباضية والشيعة والنصارى واتباع الطريقة الدسوقية والقاديانيين والإباضية واليهود وغيرهم،ولقد أبدع شيخنا في التصدي للشبهات التي تثار من قبل بعض المعادين لسماحة الدين بإثارة الشبهات حول القرآن الكريم وقام بدحض حججهم واحدة تلو الأخرى.
لقد كانت حديقة الهايدبارك بالنسبة للمغتربين العرب هي المعادل الموضوعي لقناة الجزيرة في ميادين الحرية ولذا نحن نطالب دوماً ببقاء فضاءات الحرية والرأي والرأي الآخر، لتمنحك الجزيرة بالتالي دفعة تقدمية نحو الأمام بوصفها وسيلة إعلامية رائدة ، أما في لندن فقد أتاح الجو للداعية أمير حسن الحديث عن الإسلام في جو ديمقراطي ، بفعل منابر الحرية وفضاءات الديمقراطية العديدة ، ولو علم الراغبون في إغلاق قناة الجزيرة ما الذي يفعلونه في الإطار العربي ، لعلموا أنهم يسعون لإغلاق هايدبارك العرب !
سكن في بداية قدومه إلى لندن في شقة متواضعة ، أو لنقل غرفة واحدة تمتد أربعة أمتار إلا انها تصدمك حالما تلج إليها ؛لأنها كانت مكتبة في الوقت نفسه! وفي تلك الفترة طلب ماجد من الشيخ أمير أن يتتلمذ على يديه
وسرعان ما اشتركا في العمل الدعوي من خلال تصوير مقاطع الفيديو عبر قنوات اليوتيوب ،وقد
اشترط أبو عتيك عدم ظهور وجهه في مقاطع اليوتيوب احتياطاً لئلا يتعرض للأذى ، وقد كانت الطريقة تبدأ بتصوير المقاطع ثم النقاش حولها وحذف المقاطع التي قد يظهر فيها ما لا يتناسب مع مرجعياتنا المشرقية المحافظة ، ولم يكن ماجد عبد الغني يتقن المونتاج ولذلك خسرنا الكثير من المقاطع الدعوية بسبب بسيط ولو كان يتقن المونتاج لأتحفنا بالكثير من المقاطع الجيدة .
وفي نهاية النهار يذهب الصديقان إلى المطعم العربي الشرقي الواقع قريبا من حي أدجوير في شارع العرب المسمى ب(ادجوير رود) بأجوائه الشرقية العربية لتناول الوجبات المفضلة لكليهما بعد يوم شاق ومتعب من العمل المضني.
وفي يوم وفاته ، أجرى أحد أصحابه مكالمة معه و كانت المحادثة قصيرة، وعندها انفصل الخط وهذا طبعاً ليس من عادته فعلم تلقائياً بحدسه أنه حصل له شيء ما ، فذهب إليه للتأكد ووصل إلى مسكنه ، وعندما طرق الباب لم يستجب أحد ، فنظر من أسفل بابه ، ليجده ساقطاً على الأرض وآثار النزيف تعم الأرض،فتم استدعاء الاسعافات وعلم منهم عن وفاته ، وكانت حادثة وفاته يوم الجمعة قبل آذان المغرب في الرابع عشر من رمضان عام 1438 هـ فسبحان الله ، وقد أتاحت خدمة النظام الصحي البريطاني القيام بتشريح الجثة ، وأثبتت بصورة مكتملة المصداقية بأن الوفاة ليست بسبب جنائي ، وقد لازمت صاحبنا كحة شديدة استمرت لمدة أربعة أشهر سرعان ما تطورت لتتردى صحته في ظل انتكاسة في مناعته الجسمية ، وجاءت وفاته فصلا أخيرا جراء عدم كفاية الرعاية اللازمة.
وهكذا رحل الشيخ أبوعتيك الذي كان علماً من أعلام الدعوة فنسأل الله له الرحمة ولأخواننا في السودان كل الصبر وعظم الله أجركم .

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

نُشرت بواسطة ياسر أبوغليون

ياسر أبوغليون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *