تسجيل
سيرة الضوء - أدب منقول, شعر

مملكة الليل 5/5 (1)

وقت القراءة : 8 د
قُرِأ النص 448 مرة
0 تعليقات

جاوزَ الليلُ نِصْفَهُ لكن ؟

لم يسامرْني الكرَى والراحةُ

لم تُغْمَضْ بهدوِ جَفْناي،

لم يسترحْ قلبي.

 

والنومْ، بعيدٌ عن النافذةِ الساهرةْ

وأبعدُ عن عينٍ مؤذيةٍ للروحْ

والأعينُ وسني لكنْ في خَبَب مع الفكرِ

وشالٌ خفيفْ، حجريَّ، باردْ بسطته يدُ الليلِ.

على جسدِ المدينةِ الميتةِ العاجزةْ عن السيرِ.

 

والقمرُ صوتُ الموتِ،

قارئ ضجرٌ بلا إِحساسْ

يَقراُ حزينًا على سجادةِ السَّمَاء

آيةً سالبةً للهناء،

ويسيرُ ببطء حتَّى لتُظَنَّنْ

أَنهُ ثابتٌ في مكانهْ.

 

جاوَزَ الليلُ نِصْفَه، وفي حُجْرتي

لم يبدُ النومُ

وفي عينيّ الكليلتين المفتوحتين تجاهَ النافذةِ

ظهرَ أرقٌ شديدْ

واقفًا عَلَى قَدَمَيهْ.

 

وفي قلبِ غابةِ أفكار باردة

بغصونٍ من يأس،

وثمارٍ من ألمِ،

 

أُسرعُ، أَهربُ، اصرخْ

ربَّما أَنْجُو مِنْ نَفْسِي.

لكنْ يسرعُ الهولُ مَعِي

ويصاحِبُني أَيضًا

شيطانٌ دوارٌ مؤذٍ للروح.

 

أَسرعُ، ينفجرُ اليأَسْ ضَلحِكًا

ومع رنينْ ضحْكتهْ، كطائرٍ مرمَيِّ بقوسْ

اعجزُ سريعًا عن الطيران.

 

اهربُ، ويَطُف الأَلمُ

أَصبحُ خوْفًا مِنْهُ كتمثالٍ من حَجَرٍ،

أَعجزُ ثانيةً.

 

اصرخُ، لكنَّ يدَ العبثِ الحجريةْ، بلا خشيهْ

تُوضَعُ فوقَ فَمِي كالقفل

أَبقَى باردًا أَخرسْ.

 

وسْطَ غابةِ أفكارٍ باردةٍ

غارقٌ في دوامةِ الضوضاءْ

يائسٌ من نَفْسِي

أَبقى كشريكٍ في كلِّ الفِتْنَة.

 

رانَ صَمْتٌ كأَنه الكابوسْ

فوقَ جَسدِ كلِّ شيء في كلِّ مكانْ،

وما في داخلِ الصدرِ، بقي في غِلِّ قَوي

وكلُّ من لَهُ وما لَهُ صوتُ

وُضِعَتْ أَحجارُ على شَفَتيْهِ

والأَناتُ مسمومة ومفجوءةْ من ثِقْلِ هذا الصمتِ.

 

وكأَنَّ الخوفْ

عقدَ الفواصلْ،

والهولُ بأَسنانِ الظُلْمة

ابتلعَ نواحِي الأَشياءْ دفعةً واحدةً.

 

 

(2)

أتذكرُ لَيَالِيّالم يَتَعَلَّقْ في جَفْنِي النومْ

من أَلَمِ كراهيةٍ محرقةٍ للروحْ،

ومن الشوق إِلى عشقِ حبيبْ

كانا مفتوحَينْ حتَّى السحرِ مع صياحِ الديكْ

تَبزُغُ شمسٌ بحرارتِها من خَلْف زجاجِ النافذةِ.

 

في تِلْكَ الليالِي

لم أَكُنْ – إلى ذَا الحدِّ – وحيدًا ضيقَ الصّدرِ؛

كانَ القمرُ بدونِ حديثْ

ينشدُ الأنغام في فرحِ،

ويقصُّ الحكاياتِ عن الحزنْ،

وكانتْ النجومُ دونَ أَن تتحركَ في مكانها

تجوبُ الفلْك ملوحةً بيديها راقصةً

وحاديها زمزمةُ ضوءِ القمر.

وفي تلك الليالي

كنت أَهمس لِنَفسِي

بكلَّ ما كان بقلبي منْ وجدٍ أو شوق

وكلِّ ما كانّ برأسِي من صَخَبْ،

ومع الصمتِ الذي يثيرُ الهمهمةْ

كنتُ أَبدأُ القَصَصُ عن الفكر

 

كان طويئرُ الليلِ صاحبي في لحنِي

رافعًا صوته،

وأَنا لم أَعْطِه في أَيِّ مكانْ

الماءَ أّو الحبِّ،

ولم يجلِسْ مؤتلِفَا

فوق أصبعِي أو كتفِي،

كنا صحابَا

ونغنِّي نفسَ اللحنِ

في صمتِ الليلِ الوسنانْ.

 

وترَى عيني فوقَ النافذِة :

شارةً معلَّقة من حريرِ ضوءِ القمر

صغيرةً، لكنْ لا حدودَ لها، بعيدةً مع الفكر

وعليها، كان خيالُ مصوِّرها الأُسطوريّ

يصبُّ نقوشَهْ

مضيئة وملونة

من آلافِ الرغباتِ الذاهبةِ مع القلبِ، الضائعةِ من اليدِّ

من آلافِ الذِّكر المرَّةِ والحلوةْ

صورةَ حبِّ يشعلُ نارَا

قد جعلَ من القلبِ أَتُونَا

كلَّما صافَحَتْ أَنفاسُه شَفتِي

كان يثيرُ لحُونًا جذَّابة

كانت حينًا ذكراهُ تصبحُ الهَمَا

يجلبُ شعرًا حرًّا لا نبوةَ فيهِ.

 

ذكرَى عينيها،

كُوَّتانِ على جنةِ السرِّ.

 

ذكرّى خُصُلات الشَّعْر؛

حقلٌ من عطرِ،

وعطورٌ برية لأَساطيرٍ لم تبدأَ بعدُ

كانتْ تنسابُ على دائرةِ الوجهِ بحبِّ.

ذكرَى شفتيها :

عينٌ حَطَّ عليهَا كلُّ طائِر بخيالِهْ

حتى يشربَ منهَا قطرة لا تُشْفِي غلَّة،

ثم طَوَى جناحيه، غاب عن وعيه

صار منقارهُ عينًا مغردةً.

 

صورةُ همِّ

من عدادِ الهمومِ الصغيرةْ

التي تولدُ مع الصِّبَا وتصْحَبُه،

هم يظهرُ القشةَ في حَجْمِ الجبلْ:

لمَ لمْ تظهرْ لي حُبَّا

رغْمَ ما بَادَلَتْني من قِصَصْ ؟

أَينْ وأَينَ مضتْ كلُّ ما أَودعتني من أحاديثْ ؟

أَينْ وأَينَ مضَى كلُّ الحبِّ ؟

 

قالتْ : تعمَى عيني

عن كلِّ الأَمكنةِ وكلِّ الأَشياءِ إلا عنكَ،

ومن قلبي وسوسةُ الشيطانْ

حتَّى يصبح تربٌ أَسودْ فرشًا لي ووسادَة.

سوفَ تكون بعيدةْ ،،

قالتْ : لكنِّي أَبصرتُها ذات دَلِّ

إذ مرَّتْ عليَّ

ليسَ في العينينِ نورٌ، حبَّا وسلاما

لا ولا فوقَ الشفاةِ ابتسامةٌ رقةً وهُيَاما

مثل القَطَا، أَرقَّ دائِما من القطا، أَكثرَ مِنْها فَخْرَا

رقةُ الجسمِ من الروح

مفعمةٌ بالحياةِ دوْمَا

لكنِّي دومًا كنتُ أَمامَ النظرةِ مقْهُورَا

كانت كالنجمةْ

وِجْهَتُها السماءُ، وعني بعيدةْ.

قالتْ، لوْ لمْ يمتزجْ حبُّكَ بروحِي

كنت سماءً لكنْ لم تطلعْ منها شمسُ،

دومًا لا يطلعُ فيها قمرٌ أو نجمُ،

باردةً مظلمةَ السِّحنةْ !”

 

قالت: ‹‹ كنتُ في جِبالِ الحياةِ، وحيدة

كنتُ قبرًا باردًا صامتَا،

وعلا الظلُّ على حَظِّي،

      صار سُحُبًا ذاتَ برق ذات رعِد

      أَمطرتْ حُبَّكَ فوقي دونَ بخل دونَ حدِّ،

     صارَ لي فيضٌ من عناقِكْ،

     واذن عُمُّرت من حُبِّكْ

    صرتُ من حبكَ عينًا جائشهْ››.

 

قالت: ‹‹ لو يومًا مَا

أّخذتكَ مني السماءْ

لصرت – بلا شك – عدوة للسماء

ولروحِي،

ولو خرجتُ إِلى صحراءِ الموتِ السواداء

فارغةً من جسدِي/ ملقيةً بالروحِ !››

 

قالت، لكن ذهبت وبقيتُ،

بفكر محزونٍ وبقلبٍ آسفْ،

ذهبتْ، ذهبتْ ومحتْ من ذاكرتي

ما قد قالتهُ معي من أُسطوراتْ،

فالرحمةُ من هذا النكرانِ الرحمهْ !

 

جزء من قصيدة (مملكة الليل)

للشاعر الإيراني : محمود كيانوش

 

ساعد الكاتب في تطوير مهاراته الكتابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *