• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
عرّاب المؤخّرات
عرّاب المؤخّرات
فان جوخ العالم السّفلي ...

وحي المؤخّرة

رنّت موسيقى هاتفه الأندرويد  فيلم "  العرّاب "، أيقظته من سباته العميق. هو الشّارد الوحيد في مدينة بائسة. تسجن روحه بأغلالها وهوائها الصباحي القميء. كسل يصيب كلّ طالب جامعي يدرس الفنون الجميلة. يستفيق مجد الغانمي متأخّرا كعادته. اكتسب روتينه من حياة جامعيّة تكرّر نفسها. ينسى ذقنه الكثيف ، يتأمّل وجهه بحياد أمام المرآة. يرى انعكاسا لذاته هو الآخر و الآخر هو. فلسفة يعتنقها كإله في فوضى عالم هشّ. يحاول بحكمة بوذيّ وعزلة ناسك في دير أن يفكّر خارج الصّندوق. يطهو قهوته اليتيمة بأناقة إمبراطور سعيد . يُغازل فنجانه الذي يختاره بإخلاص. يترشّفُ المذاق الأوّل كعذراء لم يطأ قلعتها أحد. يُحملق في جدران الغرفة لعلّه يعثُر على بقاياه هناك ويتمّم جداريّته التي انطلق في رسمها منذ شهر. يعتري الفتيات اللاّتي سقطن في مصيدته، دهشة حينما يكتشفن موهبته في الفنّ التشكيلي. كلّما كان يُنهي علاقة حميميّة مع إحدى الطالبات يكتُب لها ورقة عليها : " سأبتر أذني أو أطلق الرصاص على نفسي كالرسّام الهولندي فان جوخ ". أطلق عليه طلبة المعهد فان جوخ هذا القرن. كان يرسم في عزلته لوحة تبدو جيّاشة بالمشاعر والإنفعالات والإضطراب العاطفي. للوهلة الأولى؛ تبدو تلك اللوحة الحافلة بالتفاصيل، ذات طابع تجريدي بحت تقريباً. وهنا يتساءل المرء كيف ينبغي له أن "يقرأ" ضربات الفرشاة الغنية بالألوان؛ الزرقاء والخضراء والصفراء، التي تنطبع بقوة على هذه اللوحة الزيتية، وهي الضربات التي لا تزال ظاهرة في أماكن مختلفة منها.بمزيد من التأمل، تكشف اللوحة عن طبيعتها تدريجياً، ليتضح أنها عبارة عن منظرٍ طبيعي، يُصوّر جذوع النّخيل عارية وأجزاء من مناطق سفلية ، تبدو مرسومة على خلفية من تربة رملية فاتحة اللون تقع على جُرف من الحجر الجيري منحدرٍ بشكل حاد. ويظهر جزءٌ صغير من رقعة السماء، في الطرف العلوي من الجانب الأيسر للجدار.قالت له مرّة هند طالبة الماجستير في الهندسة الداخلية في رسالة فيسبوكيّة تحت صورة نشرها لأوّل مرّة للعموم لتلك اللّوحة الغريبة التي تحيط غرفته : " من الواضح أنّك تحاول التعبير عن الانفعالات التي  تعصف بعقلك. لوحتك تتّسم كذلك بأنها مفعمة بالحيوية للغاية، وتعج بالحياة، وتكتسي بطابعٍ مغامرٍ بشدة. "

يبتسمُ مجد ويفكّرُ في مؤخّرة هند التي أغرت طالب سنة أولى هندسة ومديرها ونادلها الذين لم يسلموا من حركات التشويق التي تقوم بها أثناء مكوثها في مشرب الكلّية. تعرّف عليها أثناء انتظاره للحافلة رقم 104 التي تقلّه الى المعهد. يمتلك مجد سمة غريبة ألا وهي التّدقيق في المؤخّرات. يرى جسد المرأة هناك. يردّد في داخله " يا لها من تضاريس وجغرافيا !" " أنا الغازي الجديد للأرض البائرة." كلمات يستقيها من وحي اللّوحات التي تتجسّد أمامه. تُثير في أعماقه بركانا ساكنا. إنّه زمن تكبير المؤخّرات يا صغيري في صالونات الرّياضة. يُمارس فنّ الغوص في المنطقة السّفلى. الدّرك الأسفل يذكّره بحتميّة القاع وقاذوراته. يسري في صُلبه دمُ يجتاح الأماكن المقموعة ، المحرومة والمنسيّة. قال لهند : "فتيات هذا العصر يعشقن السّلفي للشيء السفلي." دوّت ضحكتها وخيالها يرحل الى لحظة العمق كي تسقي عطشها الذي لا ينتهي .

ترك لها مجد  رسالة على مسنجر يطلب منها فيها لزيارته يوم الأحد. جهّزت نفسها للقاء تحلمُ بإختلاف سيناريوهاته في كلّ مرّة.

كلّما كان يعتليها يضع مرآة أمامهما كي يشاهدا لوحة تشكيليّة أثناء لحظة إيلاجه في المؤخّرة. شغف وإثارة أو فيلم إباحي موقّع أدناه بعنوان فكاهيّ " احمليني زقفونة" زقفونه ..؟

   لأبي العلاء المعرى بيت مشهور يصعب فهمه بغير شرح . يقول :
               ستِّ إن أعياك أمري      فاحمليني زقفونه  
  وحين سئل المعري وما زقفونه ياأبا العلاء قال :
  أن يحمل الإنسان إنسانا آخر خلفا لخلف . أو ظهرا لظهر ويمشى . الحامل يمشى إلى الأمام أما المحمول فوجهه إلى الأمام ولكنه يمشى إلى الخلف .
  يبدو أن العالم العربي يمشى زقفونه . الحامل الخارجي يمشى به إلى الأمام أما هو فيمشى إلى الخلف . وجهه فقط إلى الأمام . بعد الإستقلال حملت الجيوش شعوبها . مشت هي إلى الأمام أما الشعوب فظلت محمولة عليها تمشى إلى الخلف . وجهها فقط إلى الأمام .!

طلبت منه هند أمرا غريبا لا يخطر على بال أحد، أن يترك لها بصمة في جسدها يتمثّل في وشم يبقى لها طول العمر. نخلة باسقة في مكان يعشقه مجد يحمله إلى جحيم دانتي وجنّة بودلير. دخلت بعد رسم الوشم الى الحمّام. وعادت بعد رُبع ساعة لتلقى مجد مرميّا على السّرير. انتحر بتناوله لسائل احتساه مع قهوته المفضّلة. وصيّته الأخيرة دوّنها على الجدار : ايّاكم والثّقب الأسود !. 

#الغرياني_بالسّعيدي #حزوة #تونس

44
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}