• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
فستان زفاف نسجه الحنين
فستان زفاف نسجه الحنين
في وقت متأخر من الليل ، و بعد ساعات من التحديق في سقف غرفتها المعتم ، عزمت على الخلود للنوم ، و دفن خيباتها في أعماقها ، أخذت تنقل أنظارها في ارجاء غرفتها ، لتأخذ نظرة أخيرة على مشهد ليلتها العاذبة ، ثلاثة أسرّة في غرفة تقبع في سكن طلابي في مدينة اسطنبول ، كانت تنام على إحداها ، و على البقية أجساد غريبة لا تعرفها ،

فتاتان جمعها بهما السكن ، احداهن تعمل في معمل للخياطة تأتي في نهاية اليوم منهكة و تخلد لفراشها دون أي حديث جديد تبادل به الاخريات ، و الثانية كثيرة الصمت ، تفتقد الحياة الاجتماعية ، لا يهمها ان تقيم اي علاقة صداقة خارج حدود سريرها و خزانتها.

هذا ليس بيتاً سيزف عروساً في الغد ، تلك العروس التي لم تنم وهي تفكر في خيبتها ، لم يخطر في بالها يوماً أن هذه هي هيئة أهم لحظات  حياتها أو حياة أي فتاة حالمة ، ستكون لهذه الدرجة من القسوة و الغرابة ، هي اليوم عروس تودع عذوبيتها بين فتيات غريبات لا يعرفن حتى أي شيء عن ماضيها و حاضرها ، تجبر عيناها على النوم ، لا تريد مزيداً من كوابيس اليقظة ، فهي عزمت ان لا تجلد نفسها بتلك الوساوس ، هي الفتاة الصلبة التي لا تكسر بسهولة ، لن يهزمها فستان زفاف لم ينسج لها ولا حفل لن يقام لها ، لن يهزمها عدم وجود أمها التي رحلت قبل أوان هذا العرس ، و لا أقرباءها الذين لم يهاتفوها منذ أكثر من خمس سنوات .

في الصباح الباكر ، استيقظت والجميع كان نياماً ، ودعت البيت في صمت و حملت حقيبة سفرها في تثاقل ، لا وداع ولا عناق ، فقط نظرات يتيمة الى زوايا هذا السكن الذي احتواها عدة اشهر في فترتها الدراسية ، أحسّت و للمرة الأولى بأن الجدران لها نبض و ذاكرة ، تشعر بدموع سريرها الذي تفارقه و مقعد دراستها . 

تذكرت يوم عرض عليها ذاك الشاب الزواج ، لم تفرح بقدر خوفها من أن تحين هذه اللحظة ، فهي كانت تتخيل هذه اللحظات بأدق تفاصيلها وكأنها تعلم عين اليقين بوقوعها و قدرها المحتم في أن سعادتها في هذا اليوم ستسرق منها ، حاولت أن تجعل هذه اللحظة بعيدة ، أو ان تخفيها حتى من شريط العمر ، هي لا تريد ان تشعر بحاجة هؤلاء الأشخاص الذين ماعادوا أصلاً على قائمة المتصلين ، أن تكوني عروساً أي أنك بحاجة إلى مجتمع نسائي بأكمله الى جانبك قبل أن تحين تلك اللحظة ، أن تكوني عروساً أي أن حاجتك لأمك ستتضاعف بشكل متسارع لا يصدق ، فلا يوجد متكأ غيرها ولا ملجأ ،لكن بلى ، كدت أنسى،  يوجد ملجأ واحد ، خالة تحل مكان أمك ، لكن ماذا لو فُقدوا جميعاً ؟! 

 كما هو حال عروستنا اليوم ! 

استقلت القطار السريع متجهة إلى المطار ، كانت تنظر في وجوه المارّة ، تنتظر سماع كلمة تملّها العروس يوم زفافها "مبارك" ، ألا ينظر أحد إلى عروستنا اليوم و يبارك لها ! 

وصلت العروس صالة انتظار الرحلة المتجهة الى ألمانيا ، تجر وراءها حقيبة سفرها الصغيرة التي لا تحوي الى على حاجاتها البسيطة ، على غرار بقية العرائس اللاتي يخرجن معهن سوق تجاري بأكمله ! 

كانت قنوعة بما كتب عليها ، الا ان غصة الوحدة لا تغادر حنجرتها ، كانت تعيد لها الذاكرة مشاهداً من عقد قرانها الذي أقيم في عليّة منزلٍ صغير في منطقة "اوسكودار " الاسيوية في اسطنبول ، برفقة والدها الذي هرم لأجلها و صديق زوجها الذي كان وكيله في عقد القران ، كانت تعلم بأن الظروف كانت تغلب الموقف و أن الله شاء أن يمتحنها في اغلب أمور حياتها ، و لاسيما غياب أنثى ترافقها في هذه اللحظات ( أم ، صديقة ، خالة ، عمة ، أخت ) .

شتت ذكرياتها ذاك الصوت القادم من استعلامات المطار : " أعزائي المسافرين ، على عروستنا التوجه للبوابة رقم ثلاثة ! النداء الاخير !" . 


1
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}