• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
حمامتان وعصفوران ....... وفويسق
حمامتان وعصفوران ....... وفويسق
Google+
عدد الزيارات
149
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
هي شيء من حديقة ، "جنينة" بلهجة أهل دمشق ، تلك اللهجة التي ما وجدت منها أجمل ولا سمعت بين لهجات العرب أعذب منها وأصفى من وقعها على المسامع ، فما انساب في صيوانيهما أرقّ منها ولا أدمث

بجانب مسكن أتقاسمه مع ابن حوران الحبيبة ، حديقة صغيرة تحيط بها بعض المقاعد التي اهترأ خشبها مما شرب من ثلج شتاء هذه البلاد الباردة ، وتشرّب من همّ أولئك الذين تشابهت وتسننات خشبه خطوط وأحافير جباههم ، تشرّب أوجاعهم وكروبهم ، فما تجدهم إلا جلوسا عليه مطرقي رئوسهم ، تلك التي حُمِّلت ءالاما تبكي أحيانا ، وتُبكي أخرى

 

أجالسهم وكأنِّي أحسُّ بشيخوخة روحي ومشيب قلبي ، أحمل معي شيئا من القمح أنثره ليؤنسني بعض الطير في جلستي تلك

 

نثرت بعضه فلم يقبل الكثير ، ثمانية أجنحة حملتهم إلى ما كتب الله لهم بجانب مقعدي ، حمامتان وعصفوران ، لا يبغي على غيره منهم أحد ، ولا يطمع في لقمة أخيه بينهم طير ، فكلّ مومن برزقه المكتوب المقسوم له

 

نعق من بعيد ، اشمأزت لنعيقه شعيرات أذنيّ ، كم كرهته منذ صغري ، لا يحبذ له صوت ، ولا تستقيم له مِشية ، لقد التصقت باسمه نعوت أهل المعايب والرذائل والدناءة في الخُلُق والمنهاج ، رسم اسمه ملامح بعده عن الهدى ، وبيّن ضلاله وفسقه ، طبع على قلبه حب التغرُّب عن الحق ومنابعه ،فكان غرابا ليس يقترب إلا لباطل من الفعل

فإن هو جاع كانت الميتة طعامه وصارت الجيف لخبث بطنه المشبِع ، وإن مشى عرف بين الخلائق بعوجه وعرجه ، وإذا نعق عكَّر مسمع من حوله

أتى لا يُعرَفُ رفُّه من صفِّه ، ولايُعلَمُ قفزٌ له من سكون ، يقاتل أربعة من الطير على ما صير إليهم وصيروا إليه مماكتب لهم رازقهم تبارك اسمه

لكنّه لم يكتفِ بمناوشتهم وإزعاجهم في مأكلهم ، جعل عن مطعمهم يصدهم مستأثرا بما وجد دون تعب وتنقيب ، فليس يحب نقر غير الدم ، ولا جَلَدَ له على تتبع غير السوءات

يعاركهم وكأنه الأحق برزقهم ، يقاتلهم عليه بكل ما أوتي من وقاحة ، فما كان منِّي إلا طرده ونهره وإبعاده ، لكن _وكعادة أمره_ أتعبني ذهني مفكرا متسائلا ، ما الذي يدفع هذا الفويسق عاشق الجيف المهووس بالنتن والقذارة إلى عراك غيره على رزقهم؟

ما دناءة النفس هذه؟

وعمَّن ورث تلك الأنانية والطمع وعدوان العين على ما مُتِّعَ به غيره؟

هو في الطير كأبي نوفل في دواب الأرض ، يقاتل على الطعام طمعا لا شبعا ، فليس مبتغاه قوت يومه ، بل حرمان غيره ما يقيم أصلابهم ، احتاجه أم لم يفعل

 

التفت فكري مسقطا ما شاهد على ما شهِدَ من معاناة من ظُلِمَ متجرِّعا مرارة بغي الطامعين وأنانية المستأثرين ، أولئك الذين تنفر عيونهم من رئوسهم عدوانا على ما في أيدي الناس ، قلّ أو كثر ، جشع بشع ، سيطر فصيطر فتفشى في تلك القلوب مرضا ، أحالها سوداء نكتة بعد نكتة ، جعلها ترى أنها تملك ما ترى ، فلا هي للشبع عرفت معنى ، ولا بالقناعة رضيت مكتسبا ومستغنى ، فأحال لها شيطانها الوسيلة هدفا ، وزيّن لها ما أمرها به وقد كانت عنه نهيت

ما عادت ترعى مصلحة أحد ، فقد أضاعت حتى مصلحة نفسها مذ أغرقتها ، فقدت ميزان "الأولويات" ، فاللذة هي الهدف والمبتغى ، ولا شيء سواها

ظنّت تلك النفوس أنها قد نعمت وغنمت ،فمن من منامها يوقظ؟

فأضغاث أحلام النائم تنهيها استفاقته

ولكن ضياع أحلام التشتت وجنون الكبر والتعاظم في هذه الدنيا، لا ينهيه إلا ذاك الرقود الطويل ، فما لغربان أمتنا موقظ إلا الموت (أواستذكاره) ، فلمَّا كان ذكره يهدم اللذة ، عُلِمَ ضرورة هدمه لأسوار سجنها وتحطيمه سلاسلها وإنارته ظلام ضلالها وظلمة بحرها

فأعاننا تبارك اسمه على غرباننا ، وستر عنهم سوءاتنا ، وحفظ من شر أيديهم دماءنا

 

 

محمود سوكاني


4
0
4

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}