• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
حاتم علي.. وذبول المرايا!
حاتم علي.. وذبول المرايا!
لستُ وحدي من شعرَ بغصةٍ في داخله، إثر وصول خبر رحيل الأستاذ حاتم علي، أحسستُ أنَّ الخبر زائف، لا وجود له..



ربما إحدى الشائعات التي تلاحقُ المشاهير دومًا، وتعجِل لهم الموت مرارًا.. لكنَّ الحقيقة أنَّ حاتم علي رحل، رحلَ ولمَّا يكمل بعدُ بقية القصة المنتظَرة!


الحزن الذي خيَّم على رحيلِ الرَّجل، لم يكن طبيعيًا، بدا لي أنَّ موت حاتم، وحَّدَ الجميع، لم يعد يذكرون شيئًا إلا خسارة الفقد التي مُني بها الوسط الفني، لقد كانَ علامة فارقة في وسطٍ فنيٍّ ملغوم، تتقاطع في داخله الأفكار الملوثة، والابتذال الرخيص، المتخم بالتفاهةِ حدَّ القرف!


ما أثار دهشتي أنَّ الجميع يبكيه، يفتقدونَ الفكرة، والمشروع، والهمّ العظيم، والهُوية، والقِيم التي كانت تسكنُ حاتم، ولهذا، شكَّل خبر الرحيل المفاجئ صدمة لمن عرفَ ولو نزرًا يسيرًا من عبقرية الراحل عبر أعماله الخالدة التي لن تنسى ما بقي للجمالِ معنىً وقيمة!


السؤال الذي طرأ في ذهني، كيف تمكَّن حاتم من العيش في قلوبِ محبيه؟ لم يكن مشهورًا بمعنىٰ الشهرة التي يتهافت إليها بعض الممثلين وأنصافهم، ولم يكن يخرجُ إلى الإعلام كثيرًا للحديثِ عن إنجازاته... لكنَّه عاش لفكرة، وانتصر لقيمة، وأسهمَ مع العبقري "وليد سيف" في انتشال أخبار التاريخ، ووقائعه، في سرديةٍ مهيبة.. وإخراجها من حيزِ الكتاب والرواية، إلى فضاءِ الصورة، في استنطاقٍ مدهِش، لم تعرف له الدراما العربية مثيلًا منذ نشوئها.


ثمة ملمحٌ آخر، وهنا أجدني أجترُّ الأثر الذي تركه مسلسل "أرطغرل" وغيره من الدراما التي تسير على ذاتِ النسق.. على المشاهدِ العربي، ومدىٰ ولعه، واهتمامه بها بشكلٍ مثير، والأثر الذي تركه رحيل حاتم، وأعمال حاتم الكبرى. هذا يدعوني للقول: إنَّ المشاهد العربي رغم الغثاء - كثير منهم - ليس مهمومًا ولا مهووسًا وراءَ التفاهة والأعمال الرديئة، كما يحاول بعضهم تأطيره ووضعه في هذا المكان!  

وإلا كيف لمتابعٍ رديءٍ يقيم خيمةَ عزاء للرَّاحل في كلِّ مكان، لقد تحولَ فضاء التواصل الاجتماعي إلى خيمةِ عزاء كبرىٰ تبكي حاتمًا.. لأنهم لمسوا فيه طهارة الشعور، ورأوا فيه الرجل النبيل الذي قدَّم دراما بنمطٍ مختلف، بقالب آخر، وبصورة مغايرة.. رحيله ترك رسالة واضحة، مفادها: "تستطيع أن تكون فنانًا ومحترمًا وعظيما".


رغم السِّنين التي مضت إلا أنَّ أثرها يأبىٰ الرحيل؛ باتت في مقامِ إحدىٰ المعلقات الخالدة في جدرانِ الذَّاكرة! وجدتني أعيشُ في مخيماتِ اللاجئين في "التغريبة الفلسطينية"، لقد صنع حاتم تغريبة صالحة لإدخالِ كل التغريبات الموجِعة في إهابها، من أراد أن يعرف شيئًا عن حالِ اللاجئين في مخيمات الموت والألم؛ فلينظر إلى التغريبة، ومن وقع في شعور الاغتراب، فليقف على أعتابها، ناظرًا لتلك العيون الملأى بمثاقيلِ الألم، بقسوةِ الوجع، وحنين العودة، وانطفاء لهب النيران التي أشعلت قلوبهم منذ اللحظة الأولى لترك وطنهم بلا وداع!


"داهمني إحساسٌ جارف أنَّ رحيله مثَّل غرقًا لـسفينة الفن العبقري.. وانتهتْ أحلامنا الكبيرة.. وذبلت المرايا, "فصولنا الأربعة" باتت خريفًـا.. وتغريبتنا الفلسطينية أصبحت تغريبةً روحيـة.. كُسر قلم الحمرة، احترق الغفران، وسطا الشِّتاء على ربيع قرطبة، وعاد ملوك الطوائف، واختفى عدل عمر.. ومات الزير سالم!". 


كنا ننتظر الجزء الأخير من رباعية الأندلس، رباعية تروم التمام, سقوط غرناطة، أو الأيام الأخيرة لـ غرناطة، لكنَّ الموت لم يترك له فرصة الإتمام.. لقد ذهبَ حاتم دون أن يضعنا في صورة السقوط المدوي لإحدى حواضر العالم، كأنَّ قلبه لم يحتمل أن يجسِّد السُّقوط الكبير، لم يتمكن أن يضعنا في تغريبة أخرى بعد أن أمضَّتْه التغريبة الأولى، هل كان يعلم أننا اليوم نبكي سقوط غرناطة، ورحيل حاتم، حاتم صلاح الدين، حاتم الفلسطيني، حاتم الألق الموشَّح برداءٍ أندلسي، وحاتم الجَمال، المتشبِع بفخامةِ الفصحىٰ على لسانٍ مغربي عابر في رياضِ قرطبة، وحاتم التاريخ، والقيم، والإنسان، والذِّكرى!


وداعًا حاتم علي، لا نملكُ إلا أن نقول لك وداعًا، كنتَ وفيًا لفكرتك، لتاريخ أمتك، وحاضرها، مهمومًا بمستقبلها، كنتَ رجلًا مغمورًا خلفَ الكاميرات، لكنَّ وهج العبقرية تراه العين.. العين التي تبكي غيابك اليوم بحزنٍ ممض.. وتمسح الدمع للفراقِ الثقيل الذي هبطَ علينا فجأةً بلا هوادة.


"‏قُل لمَن عابَ صمتهُ خُلق الحزمُ أبكَما 

لاتلوموهُ ، قد رأَى منهجَ الحقِ مُظلما 

       و بلاداً أحبها ركنُها قد تهدما".

خالد بريه

8
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}