• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
قرأت لك.."المثقف و السلطة".
قرأت لك.."المثقف و السلطة".
عندما نبحث عن كلمة " المثقف " في أي محرك بحث سنجد عددا لا متناهيا من الكتب و المقالات التي تتحدث عن المثقفين و للمثقفين، من وجهات نظر مختلفة وبمنهجيات دراسية متباينة، تكشف الطبيعة المعقدة للمثقف و علاقته شديدة الحساسية بالقيم الإنسانية المثلى من جهة وبالسلطات المختلفة من جهة أخرى.

 يقدم لنا المفكر الأمريكي الفلسطيني "إدوارد سعيد" في كتابه "Representations of the intellectual" و الذي ترجمه د.محمد عناني تحت عنوان "المثقف و السلطة" خلاصة نظرته للمثقف و كل ما يمثله في المجتمع، و يحلل علاقته بمختلف السلطات سواءً كانت سلطة الأنظمة أو سلطة الجماهير. 

صور تمثيل المثقف: 

ينحاز إدوارد سعيد لتعريف "جوليان بندا"  لصورة المثقف باعتباره "شخصا متفردا قادرا على أن يقول كلمة الحق في مواجهة السلطة"، و يصف كما يقول "ميلز" المفكر المستقل باعتباره من "الشخصيات القليلة المؤهلة لمقاومة التنميط المقصود لكل ما يتمتع بالحياة و قتله"، وإذا لم يرتبط المفكر بقيمة "الحقيقة" في الكفاح السياسي، فهو لن يستطيع أداء المتوقع منه بمستوى المسؤولية التي يحملها. 

فالسياسة حولنا في كل مكان، إنك حين تنشر مقالات في مجتمع ما تدخل في التو و اللحظة دنيا السياسة، و من ثمَّ فإذا أردت أن لا تكون سياسيا فلا تكتب و لا تتحدث علنا.

و"المثقف" ملتزم بمبادئه لا يقبل أنصاف الحقيقة، و في سعيه ليكون صوت أولئك الضعفاء عليه أن يواجه باستمرار محاولات السلطة الدائمة لترويضه، و يتيقظ كذلك للتوجيه الواعي أو اللاواعي الذي يمارسه عليه جمهوره، كما يغرقه أحيانا التعصب لفكرة أو لمجموعة ما فيحول دون قيامه بما ينبغي عليه من دفاعٍ عن مبادئ الحرية و العدالة.

 وهذه "المواقف الفكرية" للمثقف هي نشاط مستقل يعتمد على الوعي الذي يتشكك فيما حوله، و من شأن هذا أن يلفت النظر إليه و يعرضه للخطر معا، فالمثقف شخص يخاطر بكيانه كله باتخاذ موقفه الحساس وهو موقف الإصرار على رفض "الصيغ السهلة" و الأقوال الجاهزة المبتذلة، دون أن يقتصر ذلك على الرفض السلبي بل يتضمن الإستعداد للإعلان عن رفضه على الملأ.

بين المهنية و الهواية:

لا يمثل المثقف صورة ثابتة كالتمثال ولكنه يمثل رسالة فردية يحملها و طاقة يبذلها و قوة عنيدة تشتبك مع عدد هائل من القضايا التي ترتبط جميعا في نهاية الأمر بمزيج من التنوير و الحرية، و يرى إدوارد سعيد أن الخطر الخاص الذي يتهدد المثقف اليوم هو موقف يسميه  "صفة الإحتراف المهني" و يعني به أن يصبح العمل الثقافي شيئا يُؤدَّى لكسب الرزق، فيقع المثقف في فخ " القابلية للتسويق" و يصبح سعيه لجعل صورته لائقة يسبق ضرورة الإنتصار للمبادئ، وأكثر ما يحذرنا منه هو خطر اختفاء صورة المثقف أو احتجاب مكانته إذا تم اعتباره أحد "المهنيين" وحسب أو مجرد رقم في تيار من التيارات الإجتماعية، فلا يجب اختزال صورته بحيث تصبح صورة "مهني" مجهول الهوية أو مجرد فرد كفء ينتمي إلى طبقة ما و يمارس عمله و حسب، بل هو فرد يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة أو تمثيل وجهة نظر أو فلسفة وتجسيد ذلك و الإفصاح عنه إلى المجتمع و تمثيل ذلك باسم هذا المجتمع.

و يواجه إدوارد سعيد هذا التحدي بمجموعة مختلفة من القيم و المزايا يسميها " روح الهواية" و يعني بها النشاط المدفوع بنزعة الحرص و الحب لا بالربح و التخصص الأناني الضيق، فيعتبر نفسه "هاويا" ينتمي إلى المجتمع بصفته فردا يفكر و يهتم بما يهم المجتمع و يمنحه ذلك الحق في إثارة القضايا الأخلاقية التي تمس بلده.

تحدي السلطة:

يلعب المثقف دور "اللا منتمي" ما يجعله أحيانا عاجزا إزاء شبكة قوية من "السلطات الإجتماعية" مثل أجهزة الإعلام و الحكومات و الشركات الكبرى و التي تسد المنافذ أمام إمكان تحقيق أي تغيير  مباشر. 

فالواقع يقول أن الحكومات لا تزال تظلم الشعوب و أن الإنتهاكات الجسيمة للعدالة مازالت ترتكب، و أن استقطاب "السلطة" للمثقفين وضمِّهم تحت جناحها مازالا  قادرين فعليا على إضعاف أصواتهم، و المثقف لا يستطيع المقاومة إلا بالنقد العميق، فدوره الأساسي هو "نزع الأقنعة" و تقديم صور بديلة يحاول المثقف فيها أن يكون صادقا ما وسعه الصدق.

و لسلطة الجماهير أثر آخر قد يكون أحيانا أقوى من سلطة الأنظمة، فلكل مثقف جمهور و قاعدة و القضية هنا هل عليه أن يرضي ذلك الجمهور باعتباره زبونا يجب إسعاده أم عليه أن يتحداه و يحفزه إلى المعارضة الواعية أو إلى تعبئة صفوفه للقيام بدرجة أكبر من المشاركة الديمقراطية في المجتمع.

فالسؤال الرئيسي :  كيف يقول المرء الحق؟ و أي حق تراه؟ و لمن و في أي مكان؟

فإذا أردت إعلاء شأن القيم الإنسانية لابد أن تطبق ذلك على الجميع لا أن تقتصر على نقد "الآخر"،  و مشكلة التوفيق بين هوية المرء الخاصة و ثقافته و مجتمعه من ناحية، و تقبل الهويات الأخرى و المخالفين من ناحية أخرى تُطرح بقوة، فكثيرا ما نجد مثقفين يدافعون عن قيمة العدالة بشراسة ولكنهم يغضون الطرف أمام الظلم إذا ارتكبه من هم في صفهم الإيديولوجي أو المجتمعي .

فإيمان المثقف بمفهوم العدل و الإنصاف لا يجب أن يُجزأ، و عليه الدفاع عمَّا يؤمن به دون مراتب هرمية أو تفضيلية بين الأفراد أو الأمم، وليس قول الحقيقة للسلطة ضربا من المثالية الخيالية بل إنه يعني إجراء موازنة دقيقة بين جميع البدائل المتاحة و اختيار البديل الصحيح، ثم تقديمه بذكاء في المكان الذي يكون من الأرجح فيه أن يعود بأكبر فائدة و أن يحدث التغيير الصائب.

و من الصعب على المثقف أن يهتدي إلى ما يُمكِّنه من الاتساق مع معتقداته، و ما يتيح له في الوقت نفسه أن ينمو و يتطور و أن يغير رأيه أحيانا، و يُجسِّد ما يقوله في عمله دون أن يتصلب، فيصبح أشبه بالمؤسسة أو الآلة التي تتحرك بناءً على توجيهات نظام أو منهج ما،  و النجاح في الحفاظ على اليقظة و الصلابة في مواجهة التحديات هي السبيل الوحيد لذلك، بتذكير نفسه دائما بأنه باعتباره مثقفا يتحمل دون غيره مسؤولية الاختيار بين "تمثيل" الحقيقة بأقصى ما يستطيع من طاقة و بين "سلبية " السماح لراعٍ من الرعاة أو سلطةٍ من السلطات بتوجيهه فأمثال" تلك الأرباب دائما ما تخذل عُبَّادها".


9
0
3

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}