• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
قسنطينة مدينتي
قسنطينة مدينتي
ما عدمت جمالها يوما،جسورها المعلقات كقلبي ونسائم هواها الهائمات في أزقة وكهوف وشوارع ثرثارات، لم يحترفن حتى اليوم فن الصمت، فكل ما في قسنطينة ثرثار، يروي حكايات مجنونة عن مدينة غجرية،حجرية، حنونة و قاسية، تغري بالعطاء و في وحشية جمالها، تسلب السكينة ولا تمنح محبيهاإلا كومة من ألغاز، ألغاز تحير ساكنيها، فما بالك بزوار يأتونها مددا ويرحلون عنهاكمدا ويودون الرجوع إليها أبدا ... هذه هي مدينتي، هذه هي قسنطينة .

مدينة الحياة والموت،فهي إما أن تكون قبلة، لمن أراد أن يضع نهاية مثيرة لحياة قرر في لحظة ضعف إنهاءها،فأخذ من قساوة صخورها، القدرة على التهالك في وديانها، بكل ما أوتي من حرية مطلقة،ليزرع شيئا من روحه الملتاعة والمعذبة بين صخراتها وكأنه يدفع روحه ثمنا لها، ضريبةالاستمتاع بمفاتنها وإما أن تكون مرجعا لكل عين تعودت الجمال فألفته وافتتنت به وانبهرت بكل تلك الطبيعة وذلك الكيان الهش المبني على صخرة والذي وإن ارتج بزاوية ما، سنشابه أقواما خلى ذكرها وسنصبح أثرا بعد عين .

قسنطينة التي أتيت منها و وُلدت فيها، لازلت للآن كما الكثيرين غريبين عنها، لا نعلم عن حكاياها أكثرمن جسر ينافس الطير في ارتفاعه وريح تؤرجحه يمنة ويسرة لتتركنا كالدمى الملقاة فوقه،عالم علوي يخطف ألبابنا في كل مرة نمتطي الكبسولة الزرقاء لنرى الجمال الفاتن خلف أعين كامنة الرعب خوفا ورهبة من جمال يفتح العيون على آخرها لتترك شفاها فاغرة من تجربة سيُحسب لها حساب مرة أخرى، إما بتكرارها طلبا للمزيد من جمال لا يُشبع منه أبدا ومغامرة في السماء بلا جناحين  مفتوحة الاحتمالات على كل شيء و إما بإحجام عن زيارة تزيد دقات القلب وتكسي الوجه وشاحا من الاصفرار الذي ينجلي مع أول وصول لليابسة بسلام .

عالمها السفلي، قليلون من اضطلعوا على خفاياه، قليلون من اجترؤوا على التغلغل بين تلك الصخور الضاربة في العلو وتلك الشلالات الرقراقة المنسابة فوق واد يشق طريقه معلنا عن انتصاره وقوته و صموده لسنواات طويلة.

أتساءل تساؤل العاشق الذي يود أن يستفهم كل شبر من خريطة محبوبته، ماذا يوجد في الأسفل؟

ذلك الأسفل المغري بالاستكشاف، المخيف الخبايا، يدفعني دفعا لزيارته والالمام بكل جوانبه، بكل كهوفه وزواياه، لكني أعلم تمام العلم أني لن أحظى برؤيته رأي العين ولن ألامس صخراته لمس اليد ولن أصرخ في أرجائه صرخات مدويات، ترتد إلي كثيرات مزبدات مرعدات، حتى يهيئ الي أني لست وحدي وأنه مني الكثيرات مفتونات و موزعات في كل ما تطاله عيناي و تسمعه أذناي .

أعلم تمام العلم أن حظي من هذا الهوى السحيق، لن يتعدى حدود فيديو أراه كغيري وأردد في صلاة خاشعة:هل هذه  حقا مدينتي؟ أيُعقل أن أعيش في مدينة تجحدني وتتنكر لي حتى في رؤية جمال جُبلت عليه ؟

أن تعيش في مدينة أطوارا من العمر ولا يمكنك الاحاطة بكلها، شيء يجعلك متجدد الحب نحو هذا الغموض الذي لا ينجلي أبدا، هذا السحر من الممنوع الذي كلما اشتد في تمنعه، كلما رسخ الهوى في طلبه،علاقة بين عاشق ومعشوق تسيل لعاب الشعر والكلمة، لتصف وتحكي هذا الشغف الممدود بلا نهايات

متعة و لهفة البدايات و حلوها لازالت منسوجة في حكايا هذه المدينة .. لم تكن يوما حكايات رتيبة، لم تتشابه يوما ولم تتناسل، بل كانت خلقا جديدا في قلب كل من تمكن هواها من قلبه وافتتن بها ولها ومن أجلها.

قسنطينة الممزوجة بدمي، لازلت أحتفظ بنفس الاندهاش الأول، بنفس دقات قلب المستكشف الأول، كلما نقر كعبي بلاطها العثماني أو المحسن، كلها شاهدت مسرحها و جسورها، أرى التاريخ بكل صوره، بكل حقباته، مدينة حافظت على ثرائها وغرورها، مروا الكثيرين وأهلكهم الدهر و بقيت بقامتها هيفاء مرتفعة.

إن مدينة تسكنك وتحتلك من الأعماق، تجعلك تتذوق الجمال وتراه في كل شيئ حولك، تغمض عينيك لترى بعيونها،تلتقط أنفاسك على عتبات تدرج أزمنتها، تنمو بداخلك كعريشة ورد تنغرس في قلبك وتتوزع مع كل شرايينك، مدينة كهذه، بهذا الوجود الطاغي، حريٌ أن يُكتب عنها  حلو الكلام و حسن البيان و جلي الوصف و التبيان . 


9
0
4

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}