• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
قصاصات عامل في مقهى 1
قصاصات  عامل في مقهى 1
"حينها شعرت بالشفقة على نفسي وكان ذاك أقسى شعور شعرته على الإطلاق ، لم؟ لأنني شعرت بالتقزز من نفسي لما أصبحت عليه! من شخص طموح وحالم إلى شخص على هاوية اليأس ..."

بعد سنوات دراستي الجامعية خرجت للحياة ... خرجت بحثا عن وظيفة ... وضعت سيرتي في كل مكان يطرح أي إعلان لتخصصي الجامعي وانتظرت ... انتظرت طويلا ولكن لم أجد ردا .

لقد كان من القاسي علي أن أبقى هكذا ... شعرت باليأس ، عزلت نفسي وعشت في وحدة ... وِحدة جعلتني أزداد حسرة وألما ، كلما تذكرت فيها سنوات دراستي الجامعية ، طموحاتي التي تساقطت حينها يوما بعد يوم. لقد كنت في السابق أبني آمالي على وظيفتي المؤكد الحصول عليها ولكن فجأة باتت الوظيفة شيئا مستحيلا وهي التي كانت شيئا بديهيا مفروغ منه .. في لحظة تبخرت وتبخر معها كل شيء.

 شعرت أن كل شيء سلب مني وأنني ضعيف في هذاالعالم ، ضعيف للدرجة التي لم أستطع فيها إثبات نفسي أمام نفسي ... كان من المؤلم أن أرى نفسي انهار هكذا! أن أرى اليأس ينهشني يوما بعد يوم!

أمسى شكلي رثا ولم أعد أقابل أو أرى أحدا ، هكذا انزويت على نفسي بعيدا عن العالم الذي ركلني جانبا بدوره ... إلى أن أتى ذاك اليوم الذي نظرت فيه إلى المرآة ورأيت شكلي الرث...لحيتي المبعثرة... والهالات تحت عيناي ونظرتي المكسورة التي اختصرت كل شيء... حينها شعرت بالشفقة على نفسي وكان ذاك أقسى شعور شعرته على الإطلاق ، لم؟ لأنني شعرت بالتقزز من نفسي لما أصبحت عليه! من شخص طموح وحالم إلى شخص على هاوية اليأس ... شعوري بالشفقة على نفسي هو الذي انتشلني من ذاك الانهيار!

خلال الفترة التي كنت فيها عاطلا عن العمل لم أواجه أي ضغط من عائلتي وأشكر الله أني كنت من أسرة ميسورة الحال فلم يكن حالي يؤثر فيهم جميعا، كانت المشكلة الوحيدة منّي وعليّ كانت المشكلة الوحيدة هي أنا.

في عتمة الليل ووحدتي قررت النهوض ، ذهبت وحضّرت قدحا من القهوة لنفسي. لطالما أحببت القهوةوتغزلت فيها وكأنها حبيبة ... مرارتها الحُلوة ... رائحتها التي توقظ خلايا المخ جميعها ... صباحا أو مساء هي أوفى وأعز رفيقة ... صيفا أو شتاء لا فرق ... تُشرب للاسترخاء وللتركيز ... يقع في حبها السعيد والتعيس ... هكذا هي حلوتي الرقيقة.

لطالما كانت رفيقتي في أيام دراستي الجامعية ، مساء عند مذاكرتي وصباحا جرعة تحفيز عندما أكون على أهبة الاستعداد للكفاح ليوم جديد.

جلست أفكر مليا بالخطوة التي من شأنها أن تنتشلني من يأسي. وقررت أن أبحث عن عمل في أي مكان بدلا من جلوسي هكذا.

خرجت اليوم التالي لأواجه العالم ، ذهبت لمكان خال فيه تل يطل على مدينتي ، صعدت عليه وصرخت بأعلى صوتي ، أيها العالم القاسي أتسمعني! سأرد ركلتك ، عليك أن تعتبر الفترة الفائتة استراحة محارب أما من الآن وصاعدا لن أتجنبك ، لن أهرب وأختبئ ...سأواجهك.

وفي طريق عودتي للمنزل رأيت إعلان عمل في مقهى ، نظرت إليه بقيت ساهما للحظات وكنت على وشك الغرق في دوامة أحزاني مرة أخرى ولكني استعدت رباطة جأشي ودخلت إليه لأطلب الوظيفة ، تم قبولي فيها وهكذا مضى الأمر من عاطل عن العمل إلى شخص لديه وظيفة قد يراها البعض بسيطة ولكنها في نهاية المطاف وظيفة!

أخبرت والداي بأني سأعمل في مقهى من الآن وصاعدا  ، هاجماني قليلا بعبارات مثل : نحن لا نحتاجها ! ماذا سيقولون عنا؟ ابننا يعمل في مقهى! ...يبدو أنهم يمرون بأزمة مالية!! ... ثم إنهم لن يعطوك راتبا يكفيك لتصبح مستقلا بذاتك ، لن يعطوك نصف المال الذي نعطيك إياه وإلى آخره من العبارات التي تحمل كلمات مختلفة ومضمون واحد.

رددت قائلا وكانت المرة الأولى التي أواجه أهلي مباشرة بمشاعري وبعبارات صريحة: أنا فعلا أمر بأزمةولكن أزمة من نوع آخر أزمة لإثبات نفسي ، معكم حق بالطبع أنتم لن تحتاجوا هذه الوظيفة ولكن أنا أحتاجها ، لن أعود لمخبئي " غرفتي" من اليوم وصاعدا سأكافح وإن كان علي البدء من تحت الصفر ، وليس من الصفر فقط ، إن الأشهر المنصرمة كانت جحيما بالنسبة لي ، لم التفت لأحد  ليساعدني ولم أشتكِ لأحد ، لذا الآن رجاء دعوني أفعل ما أريد.

أظن أنهم اندهشوا مني حينها كيف لابنهم الذي لا يتحدث عادة أن يفصح عن ما يمر به هكذا ،لابد أن الأمر كان مرهقا بالنسبة له ... لذا بعدها تجاهلوا الموضوع وتركوني أفعل ما أريد.

لقد كانت تلك الكلمات كلمات اندفاعية مدروسة بدقة ... ظننت أن الأمر سيكون سهلا جدا ، ما الصعب بصنع القهوة؟ والقهوة بالفعل محبوبتي التي لا أملّ من لقائها كل يوم وكل لحظة ، ولكن الأمر الذي لا فرار منه أنه لا يوجد عمل سهل للغاية لابد من الكد مهما كان العمل وإلا لم سميّ عملا؟

بدأت العمل اليوم التالي مباشرة ، لقد مرّت فترة طويلة منذ أن تعاملت مع الغرباء وأنا لم أعمل في وظيفة كهذه من قبل.. لم ابتسم أثناء أخذ الطلب ، لم أقم بتحية الزبائن بشكل جيد  وبعض الملاحظات الأخرى التي كنت أتلقاها من المدير فقد كان يراقبني عن بُعد ويرشدني ثم  شعرت أنه بدأ بالتدخل في جميع تصرفاتي! لكن كنت  أعذره بأن أقول لنفسي بالطبع سيفعل ذلك فهم زبائنه في نهاية المطاف...

 ونعم لقد انزعجت ولكن كتمت الأمر لأنني بالفعل كنت بحاجة لإثبات نفسي وإلا سأعود لدوامة الحزن مرة أخرى ، كان مجرد التفكير بذلك يجعلني أكظم غيظي وأتناساه وأنساه في دقائق.

استمر هذا الحال عدة أيام حتى حصل سوء فهم بيني وبين أحد الزبائن ، تحول الوضع تدريجيا إلى رفع أصوات وشجار ، تدخل المدير بيننا وفي هذه اللحظة تحوّل كل اللوم علي وأني السبب ولا أجيدالعمل ، وبدأ يعتذر للزبون ويخبره أنه سيوبخني بشدة كي لا أكرر أخطائي وأنني لازلت جديدا ولا أعرف أصول العمل وإلى آخره من الأعذار التي تحط من شأني وبعضها في نظري لم يكن حقيقة!

بعد الحادثة مباشرة أخذني المدير إلى غرفة العاملين وبدأ يوبخني شخصيا...

-هل جننت ؟ لقدحذرتك من قبل أن لا ترفع صوتك على أي زبون مهما كان الوضع! أتتمنى أن تفصل أم ماذا؟ فقط أخبرني وسأفصلك حالا!  لا تلطخ سمعة مقهاي الجيدة بمعاملتك السيئةللزبائن!... لقد أمضيت الأيام الماضية في مراقبة تصرفاتك وتصحيحها وأخبرت نفسي أن لا بأس بذلك إنه جديد وسيتعلم قريبا ولكنك بدأت تتخطى حدودك وأخطاؤك تكبر لاتُصحح!

أجبته وقد كنت في قمة غضبي : ولكن هو من تخطى حدوده كثيرا! لقد مس كبريائي وأنا لا أسمح بهذا أبدا لأي أحد أيا كان.

رد علي بعصبية :كبرياء ! كبرياء !! ما هو الكبرياء الذي تتحدث عنه ، أنت وقح وإن لم تصلح تصرفاتك ستطرد من هذا المكان أتفهم ؟!!

= وقح !! أتسمي رد فعلي وقاحة ؟ كيف له أن يصرخ في وجهي هكذا ها؟ من يكون ليفعل ذلك !

-كلماتك هذه ... من يكون ليفعل ذلك؟ إنه بشر مثلك ينفعل ... ويغضب ، ثم ألا تعرف أن الزبون دائما على حق ... عندما قمت بتوظيفك أخبرتني أنك خريج جامعي وأنك ستكافح وتثبت نفسك وإن لم تبدأ بوظيفة بشهادتك ، اعتقدت أنك مثقف وأنه فعلا كما يقال العِلم يزيد تفكير الشخص رقيا وتفهما وانفتاحا ولكن بدأت أفكاري تتغير، أنتم فقط تزدادون غرورا بسبب بضع كلمات تعلمتموها من الكتب.

= ما.. ماذا؟ آه... حقا ؟

-لا تصدم كثيرا ...للمرة الأخيرة راقب تصرفاتك وأفعالك أثناء العمل على الأقل ... هذا تحذيري الأخير.

كنت أحمل منشفة بيدي وعندما خرج المدير ألقيتها أرضا بغضب وجلست صامتا لا أفعل شيئا للحظات فقط ساهما بسبب تلك الكلمات...


1
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}