• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الجسد الواحد .. فمرضتُ من حذَري عليهِ !
الجسد الواحد .. فمرضتُ من حذَري عليهِ !
حين يمرض الصديق ويجد له معينا لا يكفي .
حين يصيب الصديقَ الكربُ والحزن ويجد من يصبره ويسليه لا يكفي.
حين تضيق بالصديق الدنيا ويدمع دمع القهر والحرمان ويجد يدا حانية تشد أزره لا يكفي.

إن ما يحتاجه الصديق فوق كل ما ذكرنا شخصا يحس أنه يشعر به ، يتألم لألمه ،يحزن لأحزانه ، يكتئب لهمومه ، لا يذوق النوم لأرقه ، إنه الإحساس ...........

 سمةبشرية جعلها الله في أرواح الأحياء من البشر ، والحياة حياة القلوب ، ومن مات قلبه وجمد وتصلب فليس حيا بالحب ، والحب خير وقود لحياة القلوب ، من أحب إنسانا فإنه –كما أسلفنا -  يجعله بمنزلة نفسه حتى يقول له يا أنا ، وتأتي ترجمة ذلك عند الخطوب حين يكون جسد الأخوة مريضا عضو من أعضائه فما على بقية الجسد إلا الأسى والألم ...... وهذا مصداق الحديث النبوي الشريف ( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) فالرسول هنا يريد أن يُفهم  أنصاف المتحابين أن الحب ليس تعاطفا ظاهريا في الأزمات وليس مواساة بالمال والمادة فحسب وليس كلمات باللسان وعزاء بالشفاه بل شعورا داخليا ينعكس على الجوارح حين يشعر صديق المصاب أنه المصاب فيشعر المصاب أنه ليس مصابا وحده بل له شريكٌ آلمه ماألمّ به فصار مصابا مثله ، شعور عجيب عبّر عنه الإمام الشافعي بكلمات رقيقة قال فيها :

مرض الحبيب فعدتـُــــــــــــــه   *    فمرضتُ من حذري علــــيه

 وأتى الحبيب يعودنـــــــــي    *    فبرئتُ من نظري إلـــــــــــــــيه

وتابعه خليل بن ناصيف اليازجي من بعده قائلا :

مرضَ الحَبيب بجسمهِ من لطفهِ   *   فمرضتُ معهُ بِقَلبيَ الولهانِ

شَربَ الحبيب دواءَهُ فشُفـي بِهِ    *  وأنا شربت شفاءَهُ فَشَفـــــاني

سيقول بعض المغفلين: هذه مبالغة غريبة !! ، وما الغريب إلا هؤلاء الغافلون التعيسون الذين لم يذوقوا حلاوة الحب، لم يذوقوا إلا ما يملأ بطونهم ولم يأخذوا إلا ما يملأ جيوبهم ، عديمو الإحساس قلوبهم قاسية مريضة وشر الداء داء القلوب..................

ألم يسمع هؤلاء تلك القصة العجيبة التي كان بطلها نبينا و صاحبه أبو بكر !! حين خطب النبي في الناس يقول : ( إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر ، فعجب الناس لبكائه فعلموا أن رسول الله هو المخير!!!!

سبحان الله ! الوحيد الذي فهم اللغز الذي لم يفهمه الناس هو أبو بكر ، إن هذا هو الإحساس واتصال الأرواح بين المتحابين ، ولا عجب  حينئذ أن يقول سيد الأنبياء في أبي بكر ( إن أمنّ الناس علي في صحبتي و مالي أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقيَنّ باب في المسجد إلا سدّ إلا باب أبي بكر ! )........

 

وفي قضية الإحساس -خصوصا مسألةَ المرض- مساجلات فهذا محمد بن عبد الله بن طاهر مرض فافتقد أخاه عبيد الله بن عبد الله فحزن وغضب وظن ظن السوء بصديقه كيف يهجره إذ عاده الناس ولكنه رجع إلى نفسه فقرر أن يلزم مبدأ العتاب فكتب له معاتبا:

إنِّي وجدتُ عَلَى جَـــــــــــفَا   *  ئك من فِعالكَ شاهــــــــــــِدَا

إني اعتللتُ فما فَــــــــــــــقَدْ   *  تُ سِوى رَسـولك عائــــــدا

ولو اعتللتَ فلم أَجِــــــــــــدْ   *   سبباً إليك مُساعــــــــــــــــــداً

لاستشعرتْ عيني الكَـــرَى  *   حتى أَعُودَك راقــــــــــــــــــــــدا               

(الكرى : النعاس )

يتساءل ويتعجب كيف يفعل معي ذلك وهو صديقي الملازم وحبيبي المفضل  وأنا الذي إن مرض عدتُه وبذلت ما في وسعي لمساعدته ففوجئ برده عليه قائلا :

 

كُحِلت مُقْلتي بشَوك القَتاد    *    لم أذق مُذْ حُمِمْتَ طَعْم الرُّقاد                         

يا أخي الباذل المودّة والــنا    *    زلَ من مقلتي مكانَ الــــســـــواد

منَعَتْني عليك رِقَّةُ قلــــــــــبي   *     من دُخولي إليك في الــــــــــعُوّاد

لوْ بِأُذْني سمعتُ منك أنــيناً    *    لتَفَرَّى مع الأنين فـــــــــــــــــــــــؤادي   

(   القتاد : شجر له شوكِ،   تفرى : تقطع )

إن هذا الصديق المغرق في الإحساس والشعور رقته الزائدة منعته من أن يرى حبيبه في موضع أذى لئلا يتمزق قلبه و يسري المرض في أعضائه  ، فمنع الزيارة وهو مخطئ لا شك فالإحساس هنا  نتيجته مبالغ فيها وإن كان علامة على صدق الحب والإخلاص ، فالصديق العطوف يجازف بنفسه و روحه ، يعرض قلبه للتمزق والتأوه ،  من أجل عيادة صديقه الحبيب  أقول ذلك لئلا يتعلل الجفاة الغلاظ على عدم عيادتهم لأصدقائهم قائلين نحن حساسون أرقّاء بل هي حجج واهية مثل خيوط العنكبوت..........................

 

أخو ثقة يسر بحسن حالــــي    *     وإن لم يدنه مني قرابــــــــــــــة

يسر بما أسر به ويشجــــــــــي     *    إذا ما أزمـة نزلت رحـــــــــــــــابه

أحب إلي من ألفَي قريــــــــب    *     بنات صدورهم لي مسترابـــة 


8
1
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}