• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
آلام طبيب عيون (6) وحوش لا بَشَر !
آلام طبيب عيون (6) وحوش لا بَشَر !
Google+
عدد الزيارات
49
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
كل ما ورد في هذا المقال مشاهدات يومية يراها كل طبيب عيون في وطننا، بعضهم يتجاهلها، وبعضهم مثلي تؤلمه وتحزنه، كثير من عامة الناس لا يعرفون تلك الحقائق فقررت أن أنقلها بصراحة ليعلم جميعنا الحقيقة المرّة....

يختار تخصص طب العيون غالبا الأطباء  ذوو القلب الرقيق والحسّ المرهف، لذا لا تتعجب حين تعلم أن مِن أكثر المهن إصابة بالاكتئاب والإقدام على الانتحار أطباء التخدير والعيون والنفسية والعصبية!، وطبيب العيون الرقيق الجَنان تصدمه حياته العملية بوقائع صعبة على النفس فينظر لها نظرة المتعجب المشدوه!، هذا إذا حافظ على ضميره متيقظا وعلى نفسه مطمئنة ولم تعبث به الحياة المادية القاسية التي تحجّر الأفئدة وتقسّي النفوس! وهاك أيها القارئ بعض الأشياء العجيبة التي نراها في واقعنا العملي:

جاءني مريض يشتكي من ألم عينه الفاقدة للبصر منذ الطفولة، ولما سألته عن سرّ فقدان بصره أخبرني بابتسامة تخفي وراءها الألم: أبي !.... سامحه الله !.... ضربني على عيني وأنا طفل صغير فأصبت بانفصال شبكيّ! وأُجريتْ لي عمليات كثيرة باءت بالفشل!، ففقدت بصري بعدها،.........

يا إلهي ! أيّ أب هذا؟ هل هذا إنسان له قلب؟! أم إنه حيوان متوحش لا قلب له ولا عقل!.... لا أستغفر الله،إنه لم يبلغ مرتبة الحيوان الذي أخبر عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – قائلا: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).....إن الدابة عندها من الرحمة والعقل ما سُلبه هذا الوحش الكاسر، وصدق الله تعالى إذ قال: (إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا) الفرقان:44.....

أي جرم ارتكبه هذاالطفل  حتى يعاقبه أبوه المجرم بهذه الطريقة الوحشية؟!، بل لم تنته تلك الحادثة في الطفولة فقط حتى آلمته تلك العين الميئوس منها في الكبر ليتذكر مرارة ما فعله به أبوه الآثم!....

أما في عالم المشاجرات فحدّث ولاحرج، تأتيك في المستشفى ألوان عجيبة من الإصابات يحار لها العقل السويّ، فهذه امرأة جاءتني وقد صفعها رجل متوحش على عينها! فأصابها بانفصال قزحي ! هكذا بكل سهولة! وحش في شكل بشر لا عقل له ولا ضمير ولا ذرة من إيمان! وقد نهانا رسولناعن ضرب الوجه لما فيه من إهانة لما كرمه الله عز وجل، فما تقول فيمن يوجه صفعته لعين امرأة قد يضيع نور عينها بوحشية وهمجية هذا الرجل المأفون ؟!....... 

قد تظن أيها القارئ أن تلك الوحشية ما هي إلا استئساد الرجال على النساء، ولكن ذلك الظن يزول حين تأتيني امرأة مصابة وقد ناجزتها امرأة أخرى فلكمتها في عينها فأصابتها بانفصال الجسم الزجاجي ! فجاءت لنا في المستشفى مستغيثة تريد العلاج وتحرير محضر لمقاضاة تلك المرأة المستأسدة! فتعلم حينها أن عالم الإجرام والهمجية ليس في الرجال فحسب بل النساء لهنّ نصيب كذلك!

إن الرغبة في الانتقام لا حدود لها، سواء من المُعتدِي أو من المعتَدى عليه!... فهذا رجل قد أصيب بلكمة في عينه انتظر تقريري الطبي عن حالته لتقديمه للشرطة ثأرا ممن سبب له تلك اللكمة، ولكن حالة عينه كانت جيدة فلم تُصب إلا بكدمة بسيطة ستتحسن بالعلاج الدوائي، كتبتُ العلاج للمصاب وأعطيته إرشاداتي لتشفى عينه في أسرع وقت، ولكنه سرعان ما قرأ تقريري ووجد أن مدة العلاج أقل من 21 يوما فقط! فلم يعجبه ما كتبته فاحمرّ وجهه وانتفخت أوداجه وقال لي وقد كاد يبطش بي: أقل من 21 يوما فقط ؟!!! ثم مزّق ورقة العلاج التي كتبتها له وألقاها في وجهي قائلا بلسان حاله: لا أريد أن أشفى ولا أرى، كل ما أريده هو الانتقام والأخذ بثأري !!.....

من أجل الانتقام لا مانع عند المصاب أن يأتي لك أيها الطبيب ويحاول دفعك لكتابة تقرير كاذب بل ربما تزوير تقرير وكتابة اسمك عليه ليأخذ حقّه كاملا غير منقوص!.... إنه عالم الغابة والهمجية في أبشع صوره!

أعلم طبيبة كتبت تقريرا طبيا لحالة اعتداء، وبعد سنة كاملة من كتابة التقرير استدعتها المحكمة للشهادة على ما كتبت!.-  تخيل سنة كاملة من إجراءات العدالة الظالمة!- طبعا كانت قد نسيتْ تلك الحادثة ولكنها قررت أن تشهدبما كتبته لا أكثر ولا أقل، اضطرت لأخذ إجازة ذلك اليوم وذهبت مبكرا لتمكث في المحكمة ساعات طويلة تنتظر دورها  وقد ضاع وقتها ونفد صبرها حتى سئمت ذلك التقرير الذي كتبته وقررت ألا تكتب تقارير اعتداء مرة أخرى أبد الدهر !....

لا أنسى أبدا أنني قضيت شهرا كاملا في بداية نيابتي طبيب استقبال، أستقبل الحالات الطارئة في جميع التخصصات، كان شهرا عسيرا عليّ رأيت فيه من العذاب ألوانا، ولكنني عرفت حقيقة المجتمع الأليمة حولي، كان ذلك الشهر في شهر رمضان، ولك أن تتخيل أنني كنت أكتب في اليوم الواحد قريبا من عشرين تقرير اعتداء بالضرب في نهار رمضان - شهر الرحمة والمغفرة ! - ولكن يبدو أن ذلك المجتمع لا يعرف رحمة ولا مغفرة، بل لا يعرف أن كلمة سيئة قد تضيع عليك أجر صومك فما بالك بالضرب المبرح والجرح والإيذاء!

قد يكون الضرب في نهار رمضان ذنبا هيّنا أمام تلك الحالة التي جاءت تريد كتابة تقرير عن حادثة تحرّش حدثت لها في نهار الشهر الكريم !، أما ما لم أتصوره وما لا يصدقه عقل صريح أن رجلا جاء لي حاملا ابنه الصغير وقد قامت مجموعة باغتصابه في رمضان ! يريد تقريرا طبيا يثبت تلك الجريمة، فوقفت عاجزا شاردا لا أدري ما أفعل وأنا طبيب العيون المسكين! فقمت بتحويله للطبيب الشرعي وقد أحاط بي الرَوْع والذهول!

إن مجتمعا كالغابة يبطش فيه القوي بالضعيف، ويُفقد فيه الأب ابنه بصره، وتضيع فيه حقوق المظلومين الأبرياء في دوامات إجراءات العدالة المزعومة  وتنتهك فيه حرمات الله - لهو مجتمع سافل حريّ بالهلاك والزوال، وصدق فيه قول الشاعر مطلق عبد الخالق:

يموت الضعيـــف ويحيا القوي   *    ويجتاح هذين سيــــــل عرم

ويطغى على الزهر شوك القتاد    *   فيفقد ذا الكون لونـــا وشَم

حياة لعمرك بئــــــــس     الحياة    *     ففيها الكلاب وفيــها الرِمَم

لقد حار فيها الذكي الحصـيف    *    وقد ملها الفيلسوف العَـــلَم

 وتتعجب من مجتمعات أخرى مثل هولندا قلّت فيها معدلات الجريمة حتى خلت سجونها من المجرمين، فاضطروا لاستيراد مساجين من بلجيكا للاستفادة من تلك السجون، ثم قاموا بإيواء اللاجئين السوريين في تلك السجون استغلالا لمساحتها!، حين ترى مجتمعات وصلت لتلك المرحلة من الرقيّ والتحضّر ستعلم سبب الانحدار الذي وصلنا نحن إليه.......


2
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}