• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
<< نيتشه و تهمة العدمية >>...حكم بعدم سماع الدعوى
<< نيتشه و تهمة العدمية >>...حكم بعدم سماع الدعوى
«أنت الكسب الوحيد الذي عادت به الحياة عليّ. وقد قرأتك من جديد وأقسم لك أمام الله إنك الوحيد الذي يعرف ماذا أريد.>>

ريتشارد فاغنر

يعتبر العديد أن الفيلسوف الألماني فريديرك نيتشه من بين أهم ثلاثة فلاسفة مؤثرين في عصره , و رغم أن نيتشه قد ذاع صيته بعد وفاته إلا أنه يعتبر من " أخطر الفلاسفة " في عصره و في تاريخ الفلسفة عموما , و يستند هؤلاء الذي يصفون نيتشه بالخطير إلى أفكاره التي يرونها " سامة " , هدامة و عنصرية..و هذا التأويل للطرح النيتشوي جعلهم يضعونه في خانة رواد الفلسفة العدمية , هذه الفلسفة التي تهدم جميع المعايير الأخلاقية و الإجتماعية و الدينية و تتبنى مبدأ واحد يقول أن الحياة لا معنى ولا قيمة لها , فلسفة يمكن وصفها بالتشاؤمية ولا ترى سوى السواد و الظلامية في العالم , تعتبر أن الإنسان لا قيمة له في الكون , و أن كل محاولة لإضفاء المعنى لحياة البشر هي من قبيل الوهم , وقد يخطئ الكثير في الخلط بين ثلاثة مفاهيم أساسية , العدمية كما عرفناها و مفهوم الوجودية , الوجودية التي تعتبر مدرسة فلسفية كاملة تنطلق من الإنسان كموضوع لها , و تعتبر أن الوجود سابق للماهية و أن الوجود الإنساني هو ما يحدد ماهية الإنسان , فكرة قد تعود بنا للطرح الماركسي " المادية هي التي تحدد الوعي " ,  و يعتبر سورين كيركيجارد أول فيلسوف وجودي رغم أنه لم يتبنى مصطلح الوجودية , و قد يحتاج مسألة شرح الفلسفة الوجودية إلى مقالات طويلة لذا نؤكد أن كفلسفة تؤكد على أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي " يقلق " حول وجوده و معنى وجوده في هذا العالم , لذا إن العدمية و الوجودية مدرستان منفصلتان و العجيب أن فريديرك نيتشه يعتبر فيلسوفا مهما في كلتا المدرستين كأنه عدمي و وجودي في الأن نفسه , لكن كثيرا ما نرى إتهامات موجهة لهذا الفيلسوف على أنه الرائد للأول للعدمية بالإستناد إلى أفكاره التي يرونها " عدمية " و الأثر الذي خلفه أب التشاؤمية أرثر شوبنهاور في نيتشه , لا يختلف إثنان على أن طرح شوبنهاور هو طرح تشاؤمي و  بإمتياز  يرى كل ما في الوجود شر محض , و لا يمكن أيضا إنكار أن نيتشه قد درس شوبنهاور خاصة مؤلفه الشهير " العالم إرادة و تمثلا " و تأثر به بإعترافات نيتشه نفسه , لكن هذا لا يعني بتاتا أن " فيلسوف المطرقة " تبنى نفس ذلك الطرح و روج له في كتاباته , 

يحمل الطرح النيتشوي بوادر من الأفكار التي قد تبدو ظاهريا أفكارا عدمية , و خاصة في فلسفة الأخلاق لدى نيتشه , منذ التاريخ تجرئ العديد من الفلاسفة على نقد المفاهيم الأخلاقية , على نقد معاييرها و تقديم مفاهيم و معايير جديدة لها , و لكن لم يتجرأ أحد على هدم الأخلاق السائدة و ضربها صوب الحائط و إعتبارها من الأوهام و الأكاذيب كما فعل نيتشه , فقد حمل هذا الفيلسوف مطرقته الثقيلة و ألقى بها على كل مفهوم أخلاقي سائد , على كل فلسفة مثالية سابقة , على كل دين و أعلن " موت الإله "..مما جعل البعض يصفه أشبه بالقنبلة الموقوتة في عصره... ماذا ترك لنا نيتشه كمعنى للعالم ؟ هكذا يتسائل أعداءه , أليس هذا طرحا عدميا من الدرجة الأولى ؟ في الحقيقة يمكن الرد بالنفي.

بالعودة إلى فلسفة الأخلاق يعتبر نيتشه أن كل مفاهيم للخير و الحب و السلام و الرحمة و التضامن و غيرها من المفاهيم التي توصف ب"الخيرة أو الجيدة " ما هي إلا " أخلاق العبيد" , مفاهيم يخفي ورائها الضعفاء عجزهم و ضعفهم , يحتاجون لهذه المفاهيم و إلى الإله ليبرروا لنا هذا الضعف , و أن هذا الصنف من الأخلاق هو المتسبب الأول في إنتشار العدمية , و من ناحية أخرى يعتبر نيتشه أن " أخلاق السادة " هي ما ترفع من قيمة و شأن الإنسان , حيث التمتع بأخلاق السادة يجعل الإنسان بلا حاجة للإله و أخلاق العبيد , و أن التمتع بأخلاق السادة هي وسيلة الإنسان للإرتقاء و بلوغ مرحلة الإنسان الأرقى 

و هذه المرحلة المفصلية في الفكر النيتشوي , " فلسفة الإنسان الأرقى أو السوبرمان " هي دليل براءة نيتشه من أي إتهام له بالعدمية , تقوم هذه الفلسفة على الإيمان بأن الإنسان يعيش في حالة تطور عبر التاريخ حتى بلوغ مرحلة الإنسان الأرقى , و لعل فكرة التطور هذه إقتبسها نيتشه من " أصل الأنواع " لتشارلز داروين مؤسس نظرية التطور البيولوجي , حيث من المعلوم دراسة نيتشه لهذه النظرية , إذا يعتبر هذا الأخير أن الإنسان في وضعه الحالة كائن يوصف بالضعف نتيجة لتمسكه بأخلاق العبيد , و أن عليه الإرتقاء و التطور عندما يعتنق أخلاق السادة التي ستعلي من شأنه و من شأن الحياة و تمنع تغلل أي من الأوهام و الأكاذيب داخل الإنسان , إذا بالنسبة لنيشته السوبرمان هو مشروع لابد أن يتبناه الإنسان للسير نحو الأفضل , فالسؤال هنا..كيف لفيلسوف عدمي أن يؤسس مشروعا فلسفيا مثل هذا يتناقض مع كل ما يمكن إعتباره عدميا ؟ فإذا أردنا أن نعتبر نيتشه عدميا عندما يحدثنا عن أخلاق العبيد فمن واجبنا كذلك أن ننتبه إلى سعيه لتجاوز هذه العدمية من خلال تكريسه لأخلاق السادة و مشروع الإنسان الأرقى , فحتى لو إعتبرنا  إستحالة تحقق المشروع النيتشوي لأسباب عديدة فهذا لا يعني بتاتا إنكاره كدليل على تنزيه فيلسوف المطرقة من الطرح العدمي , 

قد لا تتفق مع الطرح النيتشوي في مجمله و قد ترفض أفكاره التي قد تعتبرها سامة و خطيرة , قد تتهمه بالتنظير لأفكار عنصرية , عنيفة و عنصرية كالفكر النازي ,و يُمكن اعتبار نيتـشه فيلسوف عدمي من حيث رفضه لكل القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية و لكن هذا الوصف يقف و يضمحل مع ما يقدمه نيتشه من مشروع فلسفي يمثل محاولة للإرتقاء بالإنسان نحو الأفضل حسب وجهة فيلسوف المطرقة.     


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}