• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
ارفعوا أقلامكم عنها قليلا...
ارفعوا أقلامكم عنها قليلا...
أستعير كلمات " أحمد مطر" و أخرج بها عن سياقها لأتحدث عن موضوع آخر تكثر فيه كذلك الشعارات الرنانة و الخطب العصماء لدرجة تجعلني أحس بالنفور كلما طالعني عنوان آخر عن "المرأة ".

أشعر بالضيق كلما جُلت في أحد معارض الكتاب و قابلتني مئات العناوين التي تدور كلها حول "المرأة" : قضاياها و أحكامها، حقوقها وحرياتها...وكلما طالعتني الأغلفة مليئة بإيحاءات الأنوثة أصابني الدوار و وجدتني أردد " ارفعوا أقلامكم عنا قليلا " .

و في كل ثامن من مارس تنهال المحاضرات و الدروس عن تقدم "المرأة العربية" و أرقام مشاركتها السياسية و التشدق بحضورها في مجالات عمل كانت حكرا على الرجال، و مداخلات مع شرطية هنا و ميكانيكية هناك مع أجواء احتفالية صاخبة، لأجدَني أردد " املئوا أفواهكم صمتا طويلا".

لا نستطيع أن ننكر أن مجتمعاتنا بعد كل هذه السنوات التي تفصلنا عن "قاسم أمين" و تحرير المرأة لا تزال تحمل في مخيالها صورة ذهنية تحط من مكانة المرأة، وقد وجدت في أكثر من مناسبة من يختزلني أنا الطبيبة المثقفة بحركة من يده و كلمة " أنت امرأة "، ليعطي لأفكاره في لحظة واحدة مطلق السلطة علي.

 على أنَّ هذا ليس خاصا بمجتمعاتنا العربية فقط فالسلوكيات التي تحتقر المرأة توجد عند بعض القبائل الإفريقية كما توجد حتى في بعض المجتمعات الغربية و هي بالأساس وليدة التسلط و أينما كان القمع زاد ظلم فئات لأخرى، ومع هذا فقد ارتبطت لدينا فكرة تحرير المرأة بموضوعي الدين و الأخلاق على خطى الغرب الذي بدأ ثورته التحررية بإعلان عداءه للدين.

لا نستطيع الحديث عن المرأة في الفكر العربي و الإسلامي دون العودة إلى "حركات تحرير المرأة " و إلى "حراك النسوية العالمية" ، ذلك أن كتب القدماء لم تكن فيها عناوين خاصة بالمرأة و لم تُفرد لها حتى أبوابٌ خاصّة كما نرى اليوم، بل كانت لمختلف كتاباتهم تقسيمات موضوعية نجد في بعض تفاصيلها خصوصية المرأة كجزء من كلٍ لا كموضوع منفصل عن الإنسان الذي هو جوهر الخطاب الرباني، ففي قول " الذين آمنوا " يجتمع المؤمنون رجالا و نساءً و في نداء " يا أيها الناس " يجتمع كذلك الرجال و النساء، ولا توجد سوى بعض الأحكام الفردية المتعلقة بخصوصية كل جنس فصَّل فيها الشارع نداءه، و إلاَّ فالمرأة في الإسلام مخاطبة كإنسان بمجمل ما خاطب به الله عز وجل الإنسان، وهذا التصور هو خلاف رؤية الحركة النسوية العالمية التي تنطلق من ثنائية الرجل و المرأة لتجعلهما متقابلين و متضادين لا متكاملين، و في الحقيقة لا يكتمل لديهم التحرر إلا بالتفوق على الرجل في جو تنافسي يتنافى مع الفطرة البشرية و المفهوم القرآني في قوله تعالى " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ".

و بالعودة إلى تاريخ الحديث عن المرأة في مجتمعاتنا نجده كان تقريبا رجعا للصدى القادم من الثقافة الغربية، و يكاد يصنف في حالة رد الفعل دفاعا عن اتهامات موجهة ضد الإسلام و شبهات أثيرت حول مكانة المرأة وحقوقها في المجتمعات المسلمة، رغم أن أغلبها آنذاك كان يعاني في ظل استعمار أو أنظمة شمولية تراجعت فيها حقوق الإنسان بشكل عام.

على أن هناك فرقا كبيرا بين تحرير المرأة و الخطاب النسوي، ففي كتابه " قضية المرأة بين التحرير و التمركز حول الأنثى " يفرق المسيري بين " حركة تحرير المرأة التي تدور حول الحقوق الاجتماعية و الإنسانية للمرأة و الداعية إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع بحيث تنال المرأة ما يطمح إليه أي إنسان من تحقيق لذاته، و الحركة النسوية التي تكون فيها المرأة متمركزة حول ذاتها، تشير إلى ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها و تحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته ".

وبين مقاربة الثنائية و التحدي الذي يصل لإقصاء الآخر و التي تصوِّر المرأة المتحررة منطلقة من ذاتها بعيدة عن الأسرة و المجتمع، في إطار فردية يعززها الخطاب القادم من الغرب حيث كل فرد هو جوهر بذاته و لا يربط المجتمعَ نسيجٌ ضامٌ لكل هذه الذرَّات المتناثرة، و المقاربة المَدارِية حيث تدور المرأة حول الرجل، و تكون كل نجاحاتها و حتى مقاييس الجمال أو صفات الأنوثة لديها مآلها إرضاء الرجل الذي لا يعني دائما الزوج، فنجد أن المرأة في مجتمعاتنا على اختلاف توجهاتها يُنظر إليها كأنثى قبل أن تكون إنسانا أو حتى قبل أن تكون أمًا وزوجة، هي هكذا كيانٌ سابحٌ في الفضاء بعيدًا عن الأسرة و المجتمع، إما يتصارع مع الرجل أو يحاول إرضاءه و في الحالتين تغيب المقاصد الشرعية و القيم الإنسانية عن الصورة.

فَصْل المرأة عن الصورة العامة للمجتمع لا يؤدي إلى تسطيح التفكير و تعزيز الفكرة الأساسية خلف كل هذه السلوكيات و التي هي دونية المرأة فقط، بل يؤدي كذلك إلى إغفال الحديث عن قضايا أساسية و التي أدَّى غيابها ابتداءً إلى هذه النظرة، من قيم الحرية و العدالة إلى الفطرة السليمة، ونَتبيَّنُ ضرورة تصحيح الخلط في المفاهيم أو إخراجها عن إطارها كما توضح الدكتورة " هبة رؤوف عزة " مثلا عن خطورة خروج مفهوم القوامة من الحيز الخاص إلى الحيز العام بدلا عن مفهوم الولاية، في محاضرتها القيمة عن تمكين المرأة.

وهكذا توضع المرأة في ركن تحت الأضواء الكاشفة بعيدة عن القضايا الأساسية التي تعنيها كإنسان و مواطن، و تجد نفسها في مواجهة فكرة الدونية تُصارع للبقاء إمَّا تحدٍ لها أو ذوباناً فيها، فتُخيَّر المرأة مثلا بين إثبات ذاتها أو ممارسة الأمومة كأنها لا تستطيع أن تثبت نفسها بأمومتها فقط، و كيف لها ذلك وقد غزت القيم الاستهلاكية ثقافتنا و أصبحت الأم التي تتفرغ للعناية بأطفالها لا قيمة لها في مجتمع يحدَدُ كل سلوك فيه بمقابله المادي، فتفصل المرأة عن الأسرة.

ثم من هي هذه المرأة المسلمة التي يتوجه إليها كل هؤلاء ليتحدثوا عن حقوقها أو حتى أسس تربيتها و شخصيتها، هل للمرأة المسلمة في المجتمعات الغربية نفس هموم المرأة في المجتمعات العربية، و هل هذه المرأة المسلمة التي يتحدث عنها الجميع كيان واحد تعيش واقعا واحدا و مشاكل مشتركة؟

ثم هل بنية المجتمعات العربية واحدة؟ فبين المجتمعات الخليجية التي كانت إلى أمس قريب بدوية قبلية و فُتحت عليها أبواب الحضارة الغربية مع تدفق الذهب الأسود بين عشية و ضحاها، و المجتمعات التي تعيش في حواضر كانت عواصم للحضارة الإسلامية لمدة قرون، أو مجتمعات عاشت الاستعمار و ما بعد الاستعمار و شاركت نساءه إلى جنب الرجال في ثوراتهم التحريرية و بناء الدولة الحديثة، بين كل هذه المجتمعات بون شاسع في القيم و العادات، فبين طبيبة جزائرية ترافع عن حقها في الأمومة و سعودية ترقص فرحا للسماح لها بسياقة السيارة مسافة ضوئية في خطاب الحقوق.

النضال من أجل نهضة المجتمع يبدأ بالحديث عن الأسرة ككيان متماسك، و ينطلق من تعزيز حق المواطنة و الحرية للإنسان بشكل عام، ونجد اليوم لدى الغرب نقدا للخطاب الفردي المغرق في الصراعات الثنائية و بحثا عن جوهر الإنسانية، فهل يجب أن ننتظر عودته عن نظرته الجزئية السطحية لنعود نحن معه أم نستطيع الانعتاق من هذه التبعية الثقافية و الانطلاق من خصوصيات مجتمعاتنا و احتياجاتها للتفكير في الحقوق و الواجبات، أي العودة إلى  "الإنسان الذي هو مناط التكليف".

فكما يقول المسيري :" إن أزمة المرأة هي في واقع الأمر جزء من أزمة الإنسان في العصر الحديث ...و يجب أن يتم تناولنا لقضية المرأة من خلال قضية الأسرة و في إطار إنسانيتنا المشتركة، و أن تكون الأسرة الوحدة التحليلية و نقطة الانطلاق ".

فلنرفع الأقلام قليلا عن المرأة و لنعد إلى الأسرة و المجتمع لنرفع الوعي و ننشر الثقافة.


6
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}