• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
تحليل فيلم صاحب المقام
تحليل فيلم صاحب المقام
Google+
عدد الزيارات
725
رؤية تحليلية فلسفية مختلفة للفيلم المثير للجدل

يقول الله: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ (آل عمران:92)


إذا أردنا تلخيص فيلم صاحب المقام، فلن نجد أبلغ من هذه الآية كي تقوم بمهمة التلخيص، فهي البذرة التي نمت حولها فكرة الفيلم الذي عندما تنتهي من مشاهدته، لا تلازمك إلا روح الله الخيرة التي تنتشلك من دوامة الحياة كي تعطيك إشارة إنذار بالتوجه إلى روحك، والعمل على خدمتها، حيث يدور الفيلم حول الروح، وهي بلا شك أعقد شيء في الإنسان، محاولًا تنوير الكيفية التي يتم بها الاتصال الروحي المحسوس اللامرئي الذي يجمع الله بالإنسان، فينقلنا الفيلم إلى عالم آخر، أو بمعنى أدق ينقلنا إلى بُعد آخر من عالمنا.

ينقسم العالم الذي نعيشه إلى بُعدين، الأول مادي والثاني روحي، وكذلك هي ماهيتنا كبشر نتكون من جسد وروح، الجسد هو فانٍ من طين والروح هي خالدة من روح الله، وبسبب بعض الظروف التي مر بها عالمنا بسبب السوء الكامن في الإنسان، فلقد قل اهتمامنا بذلك البُعد الروحي، وأصبحنا منهمكين في بُعد واحد فقط، وهو البُعد المادي، فالانهماك في بُعد من البعدين الذي يقوم عليهما العالم والإنسان يجعل الإنسان يغفل وجود البُعد الآخر، فالإنسان إذا جهل أصل وجوده وماهيته، وانجرف وراء المادة، واصبحت وظيفته في الحياة تتمحور في كونه ماكينة مُسَخرة لجمع المال، حينئذٍ يفقد هذا الإنسان التوازن بين المادة والروح، فيهمل الروح لانغراقه في البُعد المادي، والعكس صحيح، فإذا انهمك الإنسان في البُعد الروحي، وأهمل بُعده المادي، قد يفقد الحياة ومتاعها، ويفقد عقله، وينخرط في ضرب من ضروب الجنون والدروشة، وما يسبب ذلك الخلل إذا اهتممنا ببُعد على حساب الآخر، هو أن العقل والروح يكملان بعضهما، والتوازن بينهما يحقق حياة عقلية وروحية سليمة للإنسان.

يأخذنا الكاتب ابراهيم عيسى ببراعته التي لا مثيل لها من عالمنا المادي رويدًا رويدًأ في بداية الفيلم، حتى نبدأ رحلة استكشاف ذلك العالم الروحي الذي نحن في غفلة عنه، فينقلنا إلى عالم البسطاء من المؤمنين الصادقين الذين يرسلون المراسيل للإمام الشافعي ظنًا منهم أن الله سوف يلبيها، معتمدين في ذلك على هذه الآيات :﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ،  لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ﴾ (يونس 62-64)، ودون الخوض في مَن هم أولياء الله، وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في من يريد أن يصبح منهم، فالآية فيها وعد من الله لهم بالبشرى في الحياة والآخرة بسبب تقواهم وإيمانهم، ولذلك يعتمد البسطاء على ذلك الوعد لطلب تلبية حاجاتهم من الله بالذهاب إلى أماكن أولياء الله، في الوقت ذاته يرسل الله بعض الإشارات لأحد رجال الأعمال المنهمكين في عالم المادة، ويلهمه بالاطلاع على تلك المراسيل وتحقيق ما بها من أجل إزاحة هم وكرب قد أصابه بسبب هدمه لإحدى المقامات، فيكون رجل الأعمال سببًا في إنقاذ حياة العشرات، وسبيلًا فيه يتصل الغائبون، وإشارة بالبشرى لغيره من الناس.

يحتوى الفيلم على رسالتين هامتين الأولى لمن يدعو الله والثانية لمن اختاره الله سببًا في تنفيذ تلك الأدعية، حقيقة إن ما جعل الله يستجيب لهؤلاء الناس الذين أرسلوا المراسيل ليس مقام الإمام الشافعي، بل هو إيمانهم بأن الله سيتسجيب لهم وسيلبي دعاءهم حتى لو مرت الأيام والشهور والسنون، وحتى لو فات الآوان، يكفي أنهم دعوا الله واستعانوا به، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ (غافر:59)، فمن دعا استجاب الله له، ومن دعا لكن قضاء الله وقدره لم يتغيرا فقد أكرمه الله في جانب آخر من حياته غير الذي هو دعا من أجله، وذلك مكافأةً من الله على الاستعانة به في شدته، وتلك هي الرسالة الأولى.

أما الرسالة الثانية هي لكل شخص أصابه الضيق في حياته، إن المحن التي يمنحها لنا الله لا تكون كلها عقابًا على ذنوب اقترفناها، بل من الممكن أن تكون لأن الله اختارنا لتفريج كروب الآخرين، وإزالة الحزن عنهم، فيلهم الله الشخص الذي أصابه الضيق بمساعدة الآخرين في تفريج كربهم كي يتم تفريج كربه هو الآخر، تلك السلسلة العبقرية المعقدة التي بها يحقق الله التكافل الإنساني بين عباده يجب أن تمنحنا رسالة خفية في كل ضيق نعيشه بأن الله قد اصطفانا من بين عباده لتلبية حاجات الآخرين، والله قد نادانا من وسط الجميع ليعيدنا إلى طريقه، فالذنوب التي نقوم بها لا ندركها غالبًأ، لذلك فالشخص الذي يحبه الله يمنحه المحنة كي يكفر عن الذنوب التي اقترفها، تلك المحنة قد تكون بمثابة صافرة جهاز الإنذار بأننا تمادينا في أخطائنا، وقد تكون بمثابة إشارة من الله بأن قيمتنا كبيرة لديه مهما بلغت خطايانا. 

 

 أود أن أختار مشهدين عظيمين من الفيلم لتسليط الضوء على رسائل أخرى، المشهد الأول هو مشهد الفنان محمود عبد المغني في شرفته، وهو يقول لله بكل دهشة عندما يعرف أن مرساله قد قُرِئَ:" أنا يارب، تسمعني أنا؟، اشمعنا أنا ده أنا مدمن واطي مليش تلاتين لازمة، ازاي؟"، وهذا دليل أن الله يسمعنا جميعًا، فلا فضل لفرد عن فرد عند الله، هو يسمع الجميع مهما بلغت خطاياهم، لكنه يسمع فقط الصادقين في دعائه.

أما المشهد الثاني هو مشهد الفنانة يسرا وهي تقول:" مش مهم أنا مين، المهم أنا ليه"، بكلمات بسيطة يلفت الأستاذ ابراهيم عيسى أنظارنا نحو ماهية وجودنا في الحياة، يجب على كل فرد منا أن يبحث عن رسالته في الحياة كي ينفذها، يجب علينا معرفة سبب وجودنا في الحياة، لم نأتِ إلى الحياة صدفةً بل جئنا لهدف معين، علينا أن نسأل "انا ليه هنا؟" سواء "هنا" كان الحياة، أو مكان عمل أو مكان دراسة أو مكان وسط أشخاص بعينهم، يجب أن نسأل دائمًا لماذا نحن هنا؟ وما رسالتنا في الحياة؟.

ختامًا.. فيلم صاحب المقام لا يدعونا للتوسل بالأضرحة والمقامات كما استنتج البعض بل يدعونا إلى الدعاء بصدق، والتمسك بالإيمان الحقيقي النابع من أعماقنا، لا الإيمان والتدين الشكلي المزيف، ليس في المقام نفع بل في الدعاء الصادق، فكل ما أصاب رجل الأعمال من كرب لم يكن بسبب هدمه للمقام بل بسبب منعه للدعاء الصادق النابع من أعماق الداعين، والذي قد لا ينبع من الشخص إلا عند ذلك المقام، وذلك الدعاء هو ما جعل رجل الأعمال يعيد بناء مقام "سيدي هلال" على الرغم من أن رجل الأعمال يعرف أن لا قيمة للمقام في حد ذاته، لأنه عند الهدم لم يتم إيجاد أي شيء يتعلق بهذا الرجل المزعوم أنه أحد الأولياء ولا حتى جسده الميت، لكن دعاء الناس له قيمة كبيرة جدًا في حد ذاته عند الله، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:186).

تقييمك للمقالة


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}