• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
تايتنك....
تايتنك....
Google+
عدد الزيارات
261
يموتُ الرجلُ على ما عاش عليه

واضحٌ جدا أني سأتحدث عن شيءٍ قديم للغاية. لقد انقضى على إنتاج هذا الفيلم أكثر من عشرين عاما. أستطيع الآن، أن أتذكر بوضوح الضجة الهائلة التي أحدثها في ذلك الوقت. وبالنسبة لفتاة في الخامسة عشر، لم يكن مسموحا أبدا مشاهدة هذا النوع من الأفلام. أما الآن، بعد انقضاء الأعوام تتابعا، وبعد أن أصبح كل شيء متاحا، أكتشف أني مُصابة بفقدان الرّغبة وقلة الصبر.

سلامٌ عليك يا صديقي الصامت.

إنّ كل شيء يحدث متأخرا يجدر به أن لا يحدث أبدا. ذلك لأنّ وقعه في النفس قد يُثير الحزن بدلا من الدهشة، والغضب أكثر من الهدوء، والاشمئزاز عوضا عن التودّد. تماما مثل رسالة تصل بعد أن نغادر، مثل وردة تُهدى بعد أن تذبل.

وتجيءُ على المرء يا ارقش، لحظاتٌ ينسى فيها نفسَه، بمعنى أنه يمرّ على حاجاته، رغباته، عاطفته وأحيانا جسده مرور الكرام، يقتات في طريقه بما يسدّ الرمق، ليستطيع مواصلة العيش فقط. وقد تمتد تلك اللحظات إلى ساعات، أيام، وأحيانا قد تطول إلى أعوام.

 يمكنك تخيل الأمر مثل شخص يُغيَّب عن الوعي والإدراك، مع الحضور الكامل لكافة حواسه. أنا أُسمي هذه الحالة في كثير من الأحيان "الانطفاء"، والشخص المنطفئ عزيزي الارقش، هو شخصٌ حاضرُ الجسد والذهن فقط، مُغيَّب الروح، يعمل باستمرار كآلة تنتظر أن تصدأ، يتآكل متجاهلا أنه يفعل ذلك، يعمل من أجل شيء ما؛ أطفال، عائلة، شهادة، لقمة عيش، كلمة حق، أيا كانت الرسالة التي اختارها، أو قررت الحياة بالنيابة عنه أن يؤديها.

لقد مر زمن طويل يا صديقي نسيت من خلاله أن في هذا العالم أشياء أخرى من الممكن فعلها غير الأمومة والإبحار مع الكتب. ونسيت أيضا أن التلفاز يمكنه  أن يعرض أشياء أخرى غير سبونج بوب وغامبول وأفلام دزني. وأنا أقوم بأعمال منزلي الكبير أنسى أنه بإمكاني  متابعة برنامج عن الطبخ او الرقص، أو أي شيء آخر غير تتبع المحارب في لعبة فورت نايت الذي يهدم ويبني باستمرار دون ملل أو تعب.  

يا إلهي، ما كل هذه المقدمة يا ارقش؟  ما هذا الهذيان المتعب؟ الحقيقة أني أنسى نفسي وأنا اتحدث إليك، أغيب، وأطلق العنان إلى مكان آخر. فلتسامحني أرجوك. المهم لنعُد إلى موضوعنا "تايتنك" ما رأيك؟ 

ما أريد قوله يا ارقش، أنه الآن وبعد أن قاربت الاربعين، يتذكرني تايتنك، وتمنحني الحياة فرصة مشاهدته لمدة ساعتين دون ضجيج. يا سلاام كم أنا محظوظة! أتناول حبتين مهدئ للأعصاب، لتفادي القيام بأي عمل آخر قد يعكر هذا الحدث الهام. لكن الوقت كان قد تأخر كثيرا، فالذي كان ممكن أن أراه في الفيلم منذ عشرين عاما، لم أتمكن من رؤيته الآن. ذلك لأن الأشياء التي تحدث في وقتها والتي قد تُحرك النفسَ نحو شيء معين، قد تؤدي دورا عكسيا اذا ما حدثت في وقت آخر. فعلى مدار ساعتين كنت أنظر إلى الفيلم كقضية للنقاش، كموضوع أكتب فيه إليك. أو ذريعة لكتابة رسالة قد تصل وقد لا تصل أبدا. كنت أنظر إلى مشاهد الموت باهتمام، أراقب الهيئة التي قضى فيها ركاب السفينة نحبهم، أفكر بالقول- بعيدا عن الدين- "إن الرجل يموت على ما عاش عليه". أنظر إلى القبطان الذي أغلق باب قُمرته بهدوء ونام إلى الأبد خلف المقود. إلى عازف الكمان الذي استمر في عزفه حتى آخر شهقة. إلى الشرطي الذي شعر بالذنب فاختار أن يعاقب نفسه فأطلق رصاصة من سلاحه إلى رأسه .والشرطي المنظم للسفينة الذي طفت جثته والصفارة لا تزال في فمه.

يموت المرء يا ارقش على ما عاش عليه، في العمل الذي تعلق به، مع الرسالة التي يؤديها، في المهمة التي أوكلت إليه.

ويخرج الفجر، مع قيامة الأمهات كل صباح، أفكر في ما عشتُ عليه كل هذا الوقت، وأنا أصنع الحليب للأطفال وشطائر الجبن،  أفكر في الهيئة التي سأرحل عليها إلى عالم الأبد؛ قد أغادر ليلا بجانب أحد أسرّة الأطفال، أو خلف غاز الطبخ وأنا أعدّ وجبة الغداء، أو ربما أمام تلميذ يتذمر من عدم فهمه لقوانين نيوتن. وقد أرحل يا ارقش بعد قراءة قصيدة لشاعر بائس للمرة المئة والعشرين..... وقد أرحل..... يا إلهي! ... هل أموت يا ارقش وبين يدي رسالة أكتبها..... إليك؟!!!.


8
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}