• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
يومٌ في الغُربة .. كألفِ سنةٍ ممّا تعدّون
يومٌ في الغُربة .. كألفِ سنةٍ ممّا تعدّون
Google+
عدد الزيارات
1,420
مرّت ساعتان وأنا مُستلقٍ على السرير، أتأمّلُ تشققاتِ السقف، ولكن -على غير العادة- لم أستيقظ على وهجِ ضوء الغرفة المُضاء منذُ الصباح الباكر، ولَم يُصبني صداعٌ من صوتِ طقطقةِ الأرجُل وكأنّها مسامير تُدَقُّ في رأسي، ولَم يخرق طبلةَ أذنيّ زامورُ باص المدرسة الذي يَقِلُّ أختي الصغيرة وأولاد الحارة المزعجين.

أكملتُ نومي والهدوءُ يخيّمُ  من حولي، -وعلى غير العادة- لم أصرخ بأعلى صوتي في وجهِ كلّ من يُعكّر صفو أحلامي، يُعكّرُها ؟!! من سيُعكّرُها وأقصى إزعاجٍ يُمْكِنُ أن أسمعَهُ هو صوتُ أنفاسي، يليهِ صوتُ السَّاعَة وهي تحشِدُ عقاربَها كجنودٍ يتخبطّون بأقدامهم فَوْقَ رأسي، مَلّني بياضُ الجدران وأنا أتأملُّها، كالكفن المُلتَف حول جسدي، تمرُّ عقاربُ الساعة لدغةً لدغة، إلى أن استيقظتُ من فِراشي مفزوعاً من لدغاتِها، -وعلى غير العادة- لم تسحب أمي الغطاء من عليّ، ولَم ينبحْ صوتُها وهي تُحاوِلُ إيقاظي قَبْلَ الساعةِ بساعتين؛ تحَسُّباً لتأخري، هذا الصوت الذي لطالما أزعجني وتذمّرتُ منه -يا إلهي كم أفتقده-، ذهبتُ كي أستحم -وعلى غير العادة- بقيَتْ المياه ساخنة طوالَ فترة استحمامي، ركضتُ مُسرعاً نحو الباب أرجو أن يُشاغبني إخوتي كعادتهم فتبرُدَ المياه عليّ، ولكنّ أحدهم لم يفعلْ ..

ارتديتُ ملابسَ خفيفة رغم البرد القارص، وخرجتُ بخطواتٍ متباطئة، أجرُّ أقدامي نحو الخلف ونظري مُتّجهٌ نحو باب المنزل -وعلى غير العادة- لم تأتِ أمي وتشدّني من قميصي، وتُسعفني بمِعطَفٍ يُدفِئ برودة ذلك الجسد الذي ما اعتاد البردُ يوماً في حضرةِ دفءِ حنانها، ولكنّها لم تفعلْ، تركتني أُعاني صقيعَ الوحدة وبرودة الجوّ ..

خرجتُ من المنزل قاصداً طريقاً أجهله ويجهلني، مشيتُ والغصّةُ تخنِقُني، والعبوسُ قد طغى على ملامحي -وعلى غير العادة- لم تنتشلني أم محمد بدعواتها من بئر همومي، ولَم أرَ خطوطَ التجاعيدِ على وجهها، تلك الخطوط التي أحفظُها على ظهرِ قلب، كما أحفظُ شوارع بلدي وزوايا المدينة، تلك التجاعيد التي كانتْ لي الخارطة في رحلتي مع الحياة، كيف أستدلُّ على طريقي من بعدِها ؟!

أسيرُ لا أعرفُ إلى أين وجهتي ومن أين الطريق ؟.. -وعلى غير العادة- الشوارعُ هنا نظيفة، لا أزمةَ سير، ولا اكتظاظ لِلناس، ولا وجوهاً تحملُ طابعَ الكشرة، آهٍ كم أفتقدُ تلك الكشرة ..

-وعلى غير العادة- لم يبدأ صباحي بفيروز مع نسْماتِ بلادي، أيا ليتَ الهوا يُجيبُ النداءَ يا فيروز ويأخذني على بلادي .. 

ركبتُ القافلة، وجلستُ على الشباك أناظِرُ الطرقات، يا لَطولِ الطريقِ وَيَا لَقُبحِهِ ..

كلُّ شَيْءٍ حولي غريب، أفتقدُ ملامح الناس التي أحفظُها ولا أعرفُها، أفتقدُها بعبوسها وكشرتِها، أفتقدُ مطباتِ الشوارع والحُفَر، أفتقدُ زامورَ السيارات كموسيقى اعتادتْ أذنايَ على سماعِها، أفتقدُ الأبنية العتيقة بحجارتِها الصمّاء، التي أعرفُ تماماً أنّها لا تَصُّمُ أذنيها عن أنين أبنائِها، فهي أعظمُ من صانَ العِشرة وحفِظَ وِدّ المعشر .. 

أفتقدُ ياء المُلكيّة في حديثي، فأين هي مدرستي التي أشتاقُ ذكرياتِها كلّما مررتُ من شارعِها، أين جامعتي وبيتي القديم ودار جدّي وعمّي وخالتي، وأين هم أقاربي والأصدقاء، وأين الصّدفة التي كانت تجمعني بهم على حين غفلة، أفتقدُ تلك القائمة الطويلة من طلباتِ إخوتي، أيا ليتهم بجانبي الآن، فَلَو طلبوا عيوني لبّيتُهم -حقيقةً لا مجازاً- ..

أفتقدُ حاسة الشم بعد غياب رائحة الهواء في وطني، وبعد فقدان رائحةِ طعام أمي، كم أفتقدُ أبي وأمّي، وكم أفتقدُ طعامَ أمي، ها هي مطاعمُ الوجباتِ السريعة أمامي ولكن -على غير العادة- لم أرغب بإحداها، جفَّ حلقي وقتلني الجوعُ والظمأ، من أين أَسُدُّ هذا الجوعَ والعطش وقد كنتُ أرتوي من فيض حنانهم وينبوع دعائهم، وحسْبي بضعُ لُقيماتٍ من حديثِهم وحِكَمِهِم يُقِمْنِ صُلْبي ويكفوني لآخرِ رمقٍ في حياتي ..

أنا ضائعٌ هُنَا، ولا سبيلَ لأهتدي طريقاً أعرفُهُ ويعرفُني، فأنا الغريب، بين هؤلاء الغرباء، في هذه الديار الغريبة ..

جلستُ على الرّصيف ساعاتٍ وساعات، كلُّ شَيْءٍ حولي يُشبهني، كلّ شَيْءٍ حولي مظلِمٌ وغريب ويزدادُ غرابةً، حتّى عامودُ الإنارةِ الذي اتكأتُ عَلَيْهِ قد انطفأ؛ يبدو أنّه ملّ من إضاءةِ طريقٍ يمرُّ بِهِ غُرباءٌ مثلي ..

الأرضُ باردة، كقلبي وجسدي؛ يبدو أنّها تفتقدُ حنانَ ودفءَ العابرينَ بِهَا ..

الليلُ دامسٌ شديدُ السّواد، وهدوءٌ يعلوهُ صوتُ سوير الليل، كمأتمٍ مُقامٍ على فقدانِ أحدِهم، والسياراتُ مُصطَفّة على جوانب الطُّرقات، كأنّها تواسي هذا الغريب وتقومُ بواجب العزاء ..

بقيتُ في مكاني إلى أن أقبلَ الليلُ على الرّحيل -وعلى غير العادة- لم يرِنْ هاتفي طوالَ هذه المُدّة ولو بمكالمة تشفي غليلَ صدري المُتعَب، أين هو أبي وأين صوتُهُ الغاضب وهو يصرُخُ في وجهي خوفاً من مكروهٍ قد أصابني ؟! أين أمي؟ وأين رجفةُ صوتِها لتطمئن عليّ وتهدّئَ من روعي، راجيةً أن أعودَ سريعاً؛ تَحَسُّباً لغضب أبي .. يا أبواي .. كم أفتقدُكما، فهذا الولد الذي انفطرَ قلبُكما عليه، لم يَعُدْ حجراً ..

بقيتُ طويلاً أقاومُ دموعاً، وأءبى الاستسلام، فالرّجلُ في قوانين عاداتِنا لا يبكي، ولكنّني بكيت .. جثوتُ على رُكبتيّ باكياً، أنادي بصوتٍ مُنتَحِب: يا وطني وَيَا أهلي وَيَا أهل بلدي، أرجو عودةً، فيومٌ في الغُربة كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدّون ...


4
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}