• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
"يزن" ..رواية جيل رفض أن يموت
 "يزن" ..رواية جيل رفض أن يموت
Google+
عدد الزيارات
956





"إنه الحزن هو ما يعصف بكم وينسيكم.. فتذكروا دوما أن سقف الأرض سماء، وأن الصخور جبال، والأعمدة الخشبية تسمى أشجارا، والقرص الذهبي يدعى شمس، والتراب هو أنتم، والبحر بالنسبة لكم أزرق واسع، ليس هو بحياة وليس هو بموت، والأمل في الأساس .. قمر"... هكذا اختطفتنا ابتهال الشايب بروايتها "يزن" الصادرة عن دار النسيم للنشر، في 126 صفحة من القطع المتوسط، قسمتها الكاتبة إلى 32 فصلا متفاوتة الطول.

ابتهال الشايب، صوت نسائي شاب، من أقاصي الصعيد، استطاعت بروايتها الأولى "يزن.. حجر القمر"أن تلخص حال جيلها، من حيث تراه، وأن توظف خيالا شديد الخصوبة، لتسقط ضوءا علىأحلامه ومعاناته ومشاعره وطموحه.. وربما أوهامه. تحكي الرواية التي تحمل اسم بطلها عن "يزن" الذي وجدنفسه في أرض الموتى، فاقدا للذاكرة والنطق، بعد أن تركه الجميع، ليدرك أنه مات،ويبدأ في اكتشاف "حياته" الجديدة على هذه الأرض.. "أرضالموتى"، فيتعرف على رفاق موته وحزنه، اللذان اقترنا ليصنعا سويا صيغة أخرىللزمن. التقى يزن في عالمهالجديد، بالموتى القدامى، فهد، وزياد، ونزار، وإيما، وبتول، ورأى الأطفال، وتعرفعلى اللغة الإشارية التي يتفاهم بها سكان المكان، ورغم محاولات التأقلم والتعايش، إلا أنه ظل رافضا للاستسلام للحزن الذيأودى به للموت "الحتمي"، وراح يتنسم في القمر، ومياه البحر، وحفيفالأشجار، عودة إلى حياته. المكان يشبه إلى حدكبير جبل البر الغربي بالأقصر، حيث مدينة "هابو" الأثرية، أو ما أطلقعليها "مدينة الموتى" التي تضم وادي الملوك والملكات، ومقابر الديرالبحري بالأقصر، المدينة التي انتمت إليها ابتهال الشايب. 


نؤمن مع يزن، في بقية الحكاية، أن جزءا مؤثرا من ذاته يرفض الموت، ويتمسك بما بقي فيذاكرته، في حين وجد عدد من رفاقه في الموت "حياة" جديدة، وربما أكثرأمنا، ويبقى يزن ميت سُلبت منه حياته.. أو سُلب منها. تنضم إلى هذه الأرض القاحلة، بين الحين والآخر، وجوها جديدة، فنرىالموتى يحفرون التجاويف، لتسع الوافدين الجدد، والأطفال يتسلقون الأشجار، والكباريواجهون ظواهر الكون الطبيعية، كالعواصف والرياح، وبرد الشتاء، وحرارة الشمس، كلهذا ويزن يحاول العودة إلى حيث يوقن أنه ينتمي؛ إلى أرض أخرى، شهد فيها "حياة"

 


خلقت ابتهال عوالم موازية خاصة بها، ونسجت خيوطا متصلة لا انفصام فيها، تأخذك معها إلىآخر صفحات الرواية، دون أن تفقد التركيز أو الشغف باستكمال الحكاية، بل ووضعتتعريفات واضحة وجريئة لمشاعر وانفعالات ورغبات بشرية، حين عرّفت الجوع، والخوف،والتعب، وحتى الوطن، الحب. 


إذا قارنّا بين مساحات النور والظلام في رواية "يزن" نجد أن اللون الغالبعلى الدراما التي صنعتها الكاتبة هو اللون القاتم المعتم، ولا عجب، فالحكاية هناتروي عن الموت وأرضه ومفرداته وما يصاحبه من مظاهر بائسة، ولا مجال للحديث عنالروح أو السعادة أو الارتياح، إلا في مساحة محدودة تظهر في مشهد أطفال يتصايحون،أو قصة حب متوارية في الظل، أو في عطف الطبيعة على أبناءها في هبّة هواء صاف أوإشراقة شمس دافئة. ،ملمح الحزن الكثيف هذا الذي نراه في مجمل أعمال ابتهال الشايب،يعد أحد المكونات الأساسية للبنية الدرامية لديها، وهو كذلك يبلور أسلوب الكاتبةويجعل لها بصمتها الخاصة في أعمالها، ليكون أول وأقوى ما يترك في أنفسنا أثرا لدىقرائتنا، ومما يميز الأسلوب أيضا أنه على الرغم من جرعة الحزن الطاغي تلك، فإنالنفس تستعذبها، وترى فيما بين ثنايا الحكايات وميض أمل يلوح من بعيد!


رغم تأثر الكاتبة بالثقافة الأوروبية وآدابها، والفرنسية تحديدا، إلا أننا نستطيع أننزعم كذلك أنها وليدة بيئتها التي نشأت وتكونت فيها، فنرى إسقطات متعددة علىالواقع الذي تعيشه ويعيشه أبناء جيلها، وما يحلمون به وما كانوا يأملونه، ومايعانون منه ويقاومونه بما بقي لديهم من عزم، كما أنها استخدمت لغة بسيطة ومكثفة فيالسرد، وبرعت في وصف المشاهد والأشخاص بلغة شعرية تنوعت بين الرقة والحدة، وعمدت بين الحين والآخر إلى أن تشدنا إلى الواقع بتفاصيله المجردة. 


اختارت ابتهال أن تلجأ إلى خيالها الخصب الوافر، وترينا منه حكاية من الممكن تصنيفها علىأنها "فانتازيا خيالية"، لكن القاريء المتمعن فيما بين دروب الحكايةومنعطفاتها سيكتشف أنها تغطي خلف هذا الخيال الغضّ واقعا حقيقيا بكل تفاصيلهاليومية، يبدو جليا في نسجها للمفردات والمشاهد، ويستمر حتى السطور الأخيرةللرواية، حين يقر يزن أنه ميّت فعليا، ويعترف بأن أرض الموتى صارت وطنه الدائم والحتمي .

 

محمد تركي


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}