• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الحنين - محمود درويش
الحنين - محمود درويش

الحنين مسامرة الغائب للغائب والتفات البعيد إلى البعيد .

الحنين عطش النبع إلى حاملات الجرار، والعكس أيضا صحيح .

 

الحنين يجر المسافة وراء وراء، كأن التطلع إلى أمام، وقد سمي أملاً، خاطرةٌ شعرية ومغامرة .

 

فعلُ المضارع حائر متردد، وفعل الماضي الناقص معلق على سروةٍ وقفت خلف تلة،على ساقها الراسخة ، والتفت بأخضرها الداكن ، وأرهفت السمع إلى صوت واحد :

 

صوت الريح .

 

الحنين هو صوت الريح: وكلما توغلت في وحدتك ، كتلك الشجرة،أخذك الحنين برفق أمومي إلى بلده المصنوع من مواد شفافة هشة.

 

فللحنين بلد وعائلة وذوق رفيع في تصفيف الأزهار البرية .

 

وله زمن منتقىً برعاية إلهية ، زمن أسطوري هادئ ينضج فيه التين على مهل ، وينام فيه الظبي إلى جانب الذئب في خيال الولد الذي لم يشاهد المذبحة .

 

ويطوف بك الحنين، كدليل جنة سياحي، في أنحاء بلاده، ويصعد بك إلى جبل كنت تأوي إليه و تتمرغ في النباتات البرية ، حتى تتشرب مسام جلدك برائحة المريمية

والحنين شاعر محبط يعيد كتابة القصيدة الواحدة مئات المرات.

 

وعجوز مازال يحبو لأنه نسي حركة الزمان و تحاشي النظر في المرآة.

 

الحنين هو التزوير البريء للوثائق لحماية مرجعية المنفيّ من الصدأ .

 

وهو الكلس الضروري لتلميع البيوت المهجورة.

 

لكن أحدا لا يحنُّ إلى وجع أو هلع أو جنازة.

 

الحنين هو اختصاص الذاكرة في تجميل ما احتجب من المشهد، وترميم شباك سقط دون أن يصل سقوطه إلى الشارع.

 

و الحنين قصاصُ المنفى من المنفيّ، وخجل المنفيّ من الإعجاب بموسيقى منفى وحدائق.

 

فأن تحنَّ يعني أن لا تغتبط بشيء، هنا ، إلا على استحياء .

 

لو كنت هناك – تقول – لو كنت هناك لكانت ضحكتي أعلى وكلامي أوضح.

 

فالحنين هو توق الكلمات إلى حيزها الأول حتى لو كانت غامضة وغريبة عن الجماعة .

 

الحنين، استرجاع للفصل الأجمل في الحكاية : الفصل الأول المرتجل بكفاءة البديهة .

 

هكذا يولد الحنين من كل حادثة جميلة، ولا يولد من الجرح .

 

فليس الحنين ذكرى ، بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة .

 

الحنين انتقائي كبستاني ماهر، وهو تكرار للذكرى وقد صفيت من الشوائب. 

الحنين ندبة في القلب ، وبصمة بلد على جسد،  لكن لا أحد يحن إلى جرحه، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس، بل يحن إلى ماقبله، إلى زمان لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى التي تذوّب الوقت كقطعة سكر في فنجان شاي، إلى زمان فردوسي الصورة .

 

والحنين نداء الناي للناي لترميم الجهة التي كسرتها حوافز الخيل في حملة عسكرية، هو المرض المتقطع الذي لا يُعدي ولا يميت، حتى لو اتخذ شكل الوباء الجمعي

هو زائر المساء، حين نبحث عن آثارك في ما حولك ولا تجدها، حين يحط على الشرفةِ دوريٌّ يبدو لكَ رسالة من بلد لم تحبه وأنت فيه، كما تحبه الآن وهو فيه .

 

كان معنىً وشجرة وصخرة ، وصار عناوين روح و فكرة ، وجمرةً في اللغة .

 

كان هواء وتراباً وماءً ، وصار إلى قصيدة.

الحنين وجع لا يحن إلى وجع، هو الوجع الذي يسبه الهواء النقي القادم من أعالي جبال البعيدة، وجع البحث عن فرح سابق .

 

لكنه وجع من نوع صحي ، لأنه يذكرنا بأننا مرضى بالأمل، وعاطفيون !

 

 

 

مقتبس من ديوان " في حضرة الغياب - محمود درويش " .


7
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}