• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الإقامة في مصير الآخر - سليم بركات
الإقامة في مصير الآخر - سليم بركات
أنت، الآن، في جهالة الوقت، تدرِّبُ المكان على تأويلٍ آخر لهبوبك، متغاضيًا عن الحكاية في سردها الثاني، كما يرويها – بخفَّةٍ لا حدود لها – أبطالٌ منحوتون من الرماد – لا بأزاميلَ، بل بقهقهاتٍ.

المعنى هدنة يتفقَّد فيه العقلُ ضروراته المشتتة: هذا ما تسمعه في الطريق إلى المشهد المنفصل عن ركائزه الكبرى في بياض هذا الطّرس، الذي تحوجه أثلامٌ كثيرة من عذابات كالحبر، ونقائضُ كالهدايات، ومواثيقُ كاليأس. وفي زعمك، أيضًا، أن المعنى شجارٌ طرفاه الغوايةُ والخوف؛ وأنك، حين تنظر إلى هؤلاء المودِّعيْنَ إلى بلادٍ حُجِبَتْ عنهم طويلًا، بانكسار يخفونه تحت قناع الأمل الممزَّق تأخذك الرعَّدة من أن يكون المشهد كله، بعد إحدى وعشرين سنة من حياتك المتأهبة لتحية الغبارِ العسكريِّ، نَزْفًا لغويًا لا أكثر، أو مشادةًا عابرة بعثر بها المتشاجرون أباريقَ اليقين كلَّها، وكؤوسَه الزجاجَ، فيما يتعالى رنينُ أوانٍ متدحرجة في بهو العقل اسمه ‹‹المعنى››.

وداع فاتر، لا سؤال فيه عمَّا يُقلقُ يومكَ الآخر، وحيدًا في بلد يُحصي عليك أيامَ إقامتك‹‹المشروعة››. لا مجاملة من باب السهو عن أنك لم تُهْمَل بعد إحدى وعشرين سنة من انتمائك إلى الحصار قانعًا. مروقٌ زمنيٌّ؟ هذا هو المرجَّح في الطريق إلى المشهد. عّطالةٌ* كانحراف العَتَلة الرافعةِ في محورها، أمام العمارة غير المُكتملة، التي تبصرون عمَّالَها صاعدين الأدراجَ بصفائح ملأى إسمنتًا. وبقليل من التأمل سترى القَدَرَ من النافذة، حاملًا أوراق الجُباة. وما تحتاجه الآن رياحُ من الحظِّ، وشراعٌ من الرزق، حتى لا تتشرَّد في حدائق ‹‹المعنى››المُقتلَعَة.

 

أكان تقديرك خاطئًا فلم تستبق هذه الخاتمة, بما يعفيك من حراثةٍ في الحبر، ومن جهالات الحبر، ومساءلاته اللامُحتَمَلة؟. تعوَّدت، ربما، على أخذ الأمور بنهاياتها، في المجاز الشحاذ، بالدراية التي صيَّرتْكَ ‹‹عاقلًا›› تحت مظلَّة ‹‹البيان›› وسلطان شهواته، حيث لا ترى النهايةَ إلَّا فَتْكًا تستجمع به البدايةُ أنقاضَها على عرش الدخان. ولستَ الملومَ، على أية حال: فالتَّركة الشقية التي تقاسَمها جيلُك – ( بمصادفة وجوده تحت سقف أنظمة موهوبة في استنباط الخوف، وتصريف الإهانة على الخَلْق مثل الهواء ) – ألجأَتْكَ إلى خيارٍ يتَّصف بضرورته كخيارٍ، من اليقظة البلاغية إلى السهو البلاغيِّ، ومن صرامة الحلم إلى الركاكة التي تشدَّقَ بها المشهد المحمول على حقائب المغادرين جزيرةَ النحاس – قبرصَ إلى مجهواهم، عبر دويِّ‹‹المعنى›› المكتوم.

أنت، الآن، في جهالة الوقت، تدرِّبُ المكان على تأويلٍ آخر لهبوبك، متغاضيًا عن الحكاية في سردها الثاني، كما يرويها – بخفَّةٍ لا حدود لها – أبطالٌ منحوتون من الرماد – لا بأزاميلَ، بل بقهقهاتٍ.

وحسبُكَ من اليقين أنكَ مالَأْتَ الخسارةَ منذ اخترتَ، قبل إحدى وعشرين سنة، تلك القسمة القاسية –  قسمةَ النزوع إلى نكبة الآخر، باستطرادٍ من الروح إلى جمال الخسارة. ولم يغبْ عنك، أيضًا، في السياق الهاذي لهرولة العالم، أن للوعي تصاريفَه، وللضرورات انقلاباتها، حيث تُعفي الفكرةُ نَفْسها، بين يو وآخر، من الميثاق الذي قَرَنها بالأمل. لكنك ظللت ىترى إلى ما ينهار، في المنظور المشهود له، أقرب إلى مرافعة من الإنشاء ببلاغة لا تُصنِّف الشرِّ إلَّا كخير، وتُلغي الحدَّ الأخلاقي للمعيار، الذي هو خيطك ترفو به مِزَقَ الحاضر، وقطنُكَ تمسِّد به كّدّماته. وها أنت تسمع ما تبقَّى من النداء، في الصراع المأمول على ‹‹الهوية››، يصل إليك عبر الألمِ – هذا المدوِّنِ المَرِحِ ذي الذاكرة الأزلية.

كل شيء يعِدُك، في الخاتمة الرقيقة هذه، بهِباتٍ جمَّة من العزلة، التي كانت قرينَكَ المختارَ في سنين الجزيرة الناطقة باليونانية، لكنها مشروطة – الآن – بصمتٍ ضارٍ ينبغي أن يسود جبهةَ الوفاء لليأس. والمتاحُ الأوحد، ما بعد الآن، هو المناوشات المُحتمَلة بين خنادق اليقين، من دون أن تفضي إلى حرب تسترجع في صخبها صورةً أخرى للعالم لوَّنْتَها، حتى لم يبق فيها متَّسع لحلم اللون.

غير أنك لا تنسى كم كان الوداع باردًا، فتسألُ: أنبوغُ التعب يجعل الوداعَ باردًا هكذا، أم هو نبوغُ الخلاص على أيِّ مَحْمَلٍ كان؟.

وقد لُجِمَت الكلماتُ فلم يجاملكَ أحدٌ في المذهب الذي تخيَّرتَ ليومك الآخر، في الظاهر الذهبيِّ للعزلة، وما طعامك بعد هذا الإرثِ كأنما شدَّكُم جاذبٌ إلى استعارات الغَرَق المُتْرَفة، صامتين: كلَّ إلى أغلاله.

لقد بات عليك تدبير الفُتْيا في شأن الوقت المتنامي إلى ‹‹لا شرعيته››، بحسب الوفاق في سطور القانون، لأنك ستغدو، بعد قليل، ‹‹غيرَ مرخَّصِ›› الوجود، وستتَّصف جركُتكَ بالتحايل على المكان. ولربما بدوت حرًّا أكثر، على نحوٍ ما من التأويل، بانصرافك إلى امتحانٍ أجلَّتَهُ طويلًا في شأن الحلوس مع ‹‹القانون››، وحيدًا ترتِّب العِللَ وتوثِّقُ البراهين، بعدما أسندتَ هذا الأمرَ إلى شركاء في الأمل توزَّعوه بين حقائب الرحيل. وما يُرْيْكَ حُرًّا هو أنك ستُلهم التصاريفَ الغاضبةَ، أو الرضيَّةَ، تدوينَ انتسابك ‹‹شرعيًا›› إلى مِصْرٍ من أمصار الله، بعد‹‹تهذيب›› الشبهة في احتمال أن تكون كائنًا لا أرضيًا، ما دمتَ تعلن انتسابك إلى الخلائق شفاهًا بأوراقٍ ناقصة، مُسْتَنْفَدة الأختام، هي عللُ كلِّ انتساب إلى فراديس الأمم ومنظوماتها العفيفة.

لا بأس للألم عليك في هذا: خدعك الوقتُ، لكن تَحزَّبَ لك المكانُ. هذا ما تسارِرُ به المُشْكل في هدنة ‹‹المعنى››، حيث يتفقَّد العقلُ ضروراته الجريحةَ، وقتلاهُ، وإيمانَهُ، ومنازله المقوَّضَةَ، بعد العاصفة، ولا بأس للعزلة عليك، أيضًا، في هذا الفراغُ مليء بقرائنه للامتناهية، والشِّباك الهائلة للحنين ملآى بالقنائص المضيئة. غير أنك لم تتأهَّب كثيرًا، من قبل، لإملاء أسىً كهذا على قلبك الحرَّاث. ولطالما صنَّفتَ نَفْسك تصنيف الجمع على سندٍ من الإقامة في ‹‹مصير الآخر›› حتى النهاية، لأنك كيانُهُ البلاغيُّ، وسرُّه، وتاريخ فكرته في عقدْينِ آلفا النقائضَ من الشهيد إلى اللصِّ، ومن الصامتين على الضيْق إلى الميسورين بحظوةِ النفاق، ومن النشيد المُرجِّف ببيانٍ مبتذَلٍ إلى السكينة مكتوبة بغناء الصخب العادل.

إنها قِسمة لا يليق بها وداعٌ بارد، بعد إحدى وعشرين سنة.

 

1994

 

التعجيل في قروض النثر - سليم بركات 


7
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}