• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
مقتطفات من (حكاية الشتاء) - بول أوستر
"تظن أنك في مأمن من هذه الأحداث، وأنها لن تنالك، وأنك الشخص الوحيد في العالم الذي هو بمنأى عنها. لكن لا بد أن يحين وقت خيبة الظن فتراها تصيبك، كالآخرين تمامًا".

 "الأفضل لك التحدث الآن قبل فوات الآوان. ولتأمل أن تستمر في الكلام إلى الآخر، أي حتى لا يبقى شيء يقال؛ ومع ذلك فالوقت يدهمك ربما من المستحسن أن تضع حكايتك الخيالية جانبًا في الوقت الحاضر، وتحاول أن تدرس بدقة ذلك الشعور بالعيش داخل هذا الجسد منذ أول يوم من حياتك تعود بك ذاكرتك إليه. إنه بيان من الملعومات والحقائق الحسيّة أو ما يمكن المرء تسميته ‹‹ فينومينولوجيا التنفس›› ".

 

"أنت في العاشرة، وهواء منتصف الصيف حارّ، حارّ على نحو يقبض الصدر، وعلى درجة عالية جدًا من الرطوبة؛ تشعر بعدم الارتياح إلى حدّ أن العرق يتصبّب على جبينك بالرغم من جلوسك في ظل أشجار الفناء الخلفي للمنزل".

 

"حقيقة إنك لم تعد شابًا لا تقبل الجدل. فبعد شهر سوف تبلغ الرابعة والستين. صحيح أنك لست عجوزًا ولا يعدّك الآخرون متقدمًا في العمر، لكن لا يسعك إلا التفكير في كل من لم يتمكن من بلوغ هذه السن. هذا مثال واحد على حدوث أمور كثيرة تأمل ألا تحدث أبدًا".

 

"كم كان جسدك الصغير قريبًا من الأرض، عندما كنت في الثالثة أو الرابعة، أو الأحرى كم كانت المسافة بين قدمك ورأسك قصيرة، وكم شكّلت الأمور التي لم تعد تلاحظها ذات مرة عنصرًا حاضرًا لك وشغلًا شاغلًا مقيمًا: العالم الصغير من النمل الزاحف والعملات النقدية الضائعة، عالم الأغصان الصغيرة المتساقطة وسدادات الزجاجات المسنّنة وعالم الهندباء البرية والبرسيم، لكن على الخصوص عالم النمل، فهو الأكثر رسوخًا في الذاكرة: حشود من النمل ترتحل من جحورها وتفيء إليها".

 

"جسدك يحوي قائمة آثار جروح قديمة مندملة، ولا سيما تلك المحفورة على وجهك التي تتراءى لك كل صباح عندما تنظر إلى مرآة الحمّام لحلق ذقنك أو تسريح شعرك. نادرًا ما تفكر في هذه الندوب ولكن كلما أتت ببالك أدركت أنها أمارات حياتك الفارقة وأن الخطوط المسنّنة التنوعة والمختلفة المحفورة في جلدة وجهك بمنزلة حروف أبجدية سرّية تسرد وقائع متصلةً بماهيتك وتعرّف عنك لأن كل ندبةٍ أثر لجرح مندمل، ولأن وراء كل جرح صدامًا مع العالم غير منتظر، أي حادث هو أمر ينبغي وقوعه. الحقائق المحتملة الوقوع في مقابل الحقائق الحتمية؛ وتيقنك وأنت تنظر مليًا إلى المرآة هذا الصباح من أن الحياة كلها محتملة الوقوع إذا ما استثنيت الحقيقة الواقعة حتمًا، ألا وهي أنه عاجلًا أو آجلًا ثمة نهاية مؤكدة لهذه الحياة".

 

"ما الذي يلح عليك؟ ما الذي لطالما شكّل عامل ضغط عليك؟ هو كامن في الخارج أي الهواء، أو بدقة أكثر، جسدك في الهواء المحيط بك. صحيح أنّ باطن قدميك مثبّت في الأرض لكن كل ما تبقى منك معرّض للهواء. ومن هنا تبدأ الحكاية: مع جسدك، وكل شيء سينتهي مع الجسد 
أيضًا".

 

"وفيما رفعت نظرك إلى وجهها كنت على يقين أنك على وشك الاحتضار لأن وجود هذا المقدار الكبير من الألم يعني شيئًا واحدًا فقط: الموت. لكنّ الأمر الغريب، ربما هو أكثر أمر مستغرب حدث لك هو أنك لم تكن خائفًا بل هادئًا ومتماسكًا ومتقبلًا تمامًا الفكرة القائلة إنّك على وشك مغادرة هذه الدنيا، قائلًا في سرّك: ‹‹ هذا هو الوضع إذًا، سوف تموت الآن؛ ربما الموت ليس سيئًا كما ظننته لأنك هاهنا تهنأ بين ذراعي المرأة التي تحب. وإذا كان لابدّ من أن تموت الآن فاعتبر نفسك محظوظًا لكونك عشت حتى الخمسين ›› ".

 

"لطالما كانت هذه قصة حياتك: كلما تصل إلى مفترق طرق ينهار جسدك. لأن جسدك لطالما علم ما يجهله عقلك، وبغض النظر عن الطريقة التي يختارها للإنهيار، سواء أكانت كثرة الوحيدات أم التهاب المعدة أم نوبات الذعر، فإن جسدك هو الذي يتحمّل دائمًا العبء الأكبر من مخاوفك ومعاركك الداخلية، متلقيًا الضربات التي لا يقوى أو لن يقوى عقلك على مواجهتها".


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}